.jpg)
للسنة الثانية على التوالي تراجع لبنان اقتصادياً ومالياً في ظل جمود الحركة الاستثمارية، وتراجع معدّل الاستهلاك بفعل انخفاض المداخيل الصافية، وتراجع الناتج الإجمالي المحلي بنسبة الثلث على مدى سنتين.
كل هذه التراجعات قابلها “تسونامي” الارتفاع المتسارع لسعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية حتى تخطى الـ30 ألف ليرة للمرة الأولى في تاريخ النقد اللبناني، فجَرَفَ معه أسعار السلع الغذائية وبعض الخدمات الاقتصادية مثل بوالص التأمين إضافة إلى غالبية الأدوية المستورَدة، أما أسعار المحروقات فتتفرّد بزيادة أسبوعية لا أحد يعلم أين سيصل بها تحليق الدولار اليومي.
هذا الواقع عزّز التخمينات والتأويلات حول مستقبل الارتفاع الجنوني لسعر الصرف في السوق الموازية إلى أن وصلت التوقعات لدى بعض المحللين الاقتصاديين إلى بلوغه الـ50 ألف ليرة، والبعض الآخر 100 ألف.
الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود يرى الدولار بـ6 أرقام، ويقول لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إذا استمرّينا على هذا النحو من التأزّم، وسنستمر ـ خصوصاً أننا مقبلون على انتخابات نيابية ثم رئاسية يليها انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان في آب 2023 ـ وإذا استمرينا في هذا النمط وَصَرف كل ما يوجد في احتياطي مصرف لبنان، أرى أن الدولار الأميركي سيسجّل 6 أرقام لا نعلم أين تبدأ وأين تنتهي، على أمل ألا يحصل ذلك.
لكنه يدعو إلى “عدم حصر التركيز على سعر الصرف، بقدر ما يجب أن يكون على الإضاءة على حقيقة الأزمة”، ويُلفت في السياق إلى “أزمة من خمسة أوجه: نقدية ـ مصرفية ـ مالية ـ اقتصادية ـ سياسية”. ويتابع، الأزمة الاقتصادية والسياسية تشكّل الجزء الأكبر من الأزمة المالية، وتحتاج إلى حَوكمة وحكومة ومناخ سياسي صحيح. وفي غياب ذلك، لا نتلهّى لا بصندوق نقد دولي، ولا بمساعدات خليجيّة أو أوروبيّة إذا لم تكن الأرضية مهيّأة والمناخ المناسِب متوَفّراً على الساحة الداخلية. لا أحد “يَخيط الثوب” إلا أهله وحكّامه، قد تكون المساعدات الخليجيّة والأوروبيّة وصندوق النقد “أزرار الثوب”.
ويعتبر أن “الأوجه الثلاثة من الأزمة هي الأساس، ومنها يتم الانطلاق إلى حلول للأزمتَين النقدية والمصرفية”.
ولا يرى حمود حلولاً شاملة كاملة في الأفق للأوجه الثلاثة الأولى، ويقول، العمل جارٍ بشكل حثيث على إعداد خطة حول كيفية معالجة الأزمتَين النقدية والمصرفية من خلال استعمال جزء من الأزمة المالية لا كلها، لأن الجزء الأكبر مرتبط بالأزمة الاقتصادية والسياسية… من هنا يجب التركيز على هذا الأمر في حين أن من الصعب الإحاطة بالموضوع السياسي والحَوكمة على أبواب الانتخابات النيابية والرئاسية في ظل انقسام عامودي كبير، لذلك يجب على الأقل التركيز على أزمة نقدية ـ مصرفية في الإمكان خَرقها وإيجاد الحلول الناجعة لها.
ويشدد على أن “أحداً لا يرفض المساعدات الخليجية والعلاقات الطيّبة مع أهل الخليج وأوروبا والغرب، بل على العكس، ولا نقول إننا نرفض مفاوضات صندوق النقد بل ذلك يشكّل رافعة للإطلالة من جديد إلى العالم ككل. لكن الأجواء لا تشي بذلك ولم تنحُ إلى هذا الاتجاه. لذلك فَلنَقم بما نستطيع عمله بمفردنا وهو تركيز الحكومة على الأزمة النقدية ـ المصرفية، كي تكون مهيَّأة لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية والسياسية في المرحلة المقبلة”.
وعن زيارة وفد “ألفاريز” قريباً إلى لبنان، يوضح حمود، الهدف من الزيارة هو البدء بعمل الشركة، إذ أن المعلومات التي حصلت عليها تحتاج إلى تدقيق وتحليل للتوصّل إلى الخلاصة والاستنتاج، على أن يصدر تقريرٌ بمَواطن الخلل و”الجرم المالي” الموجود كي يشق القضاء طريقه استناداً إلى هذا التدقيق الجنائي.
ويُلفت في السياق إلى وجود بعض الصعوبات، لأن استكمال التدقيق الجنائي سيُكمل حلقة الأرقام كافة وحركة الأموال، وبعضها لا تحوز عليه شركة “ألفاريز”.
ويُشير إلى أن “المشكلة تكمن في عدم ثقة أحد بأي اتجاه سيوصِلنا إلى نتيجة نهائية صحيحة، علماً أنه حصل زلزال أهم وأقوى بكثير من “الزلزال المالي” القائم، وهو انفجار مرفأ بيروت حيث دُمِّر نصف العاصمة وغالبية الناس تهجّرت فيما لا نزال ندور في حلقة مُفرَغة”.
ويُضيف، لا أُعير اهتماماً لموضوع التدقيق الجنائي، فهو يكون موضِع اهتمام عندما نرى جوّاً إصلاحياً في البلد ككل، إنما أن يتم اختصار كل ما حصل ويحصل في البلاد بالتدقيق الجنائي وإبقاء عمل “ألفاريز” الأبرز، فذلك يكون بمثابة تقزيم للأزمة الكبيرة التي يمرّ بها لبنان، وتقزيم للحلّ المَرجو.
