الأب جوزف الحاج العينطوري… أنا طالع ع السماء وصّوني!

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1724

 

20 تموز 1969 أفلحَ نيل أرمسترونغ ومايكل كولنز وأدوين ألدرين في إيصال مركبتهم الفضائية الأميركية أبولو 11 إلى صحراء القمر على مرأى كرةٍ أرضيّةٍ أصاب شعوبها ذهول مشاهدين لفيلمٍ فضائيٍّ حقيقيٍّ  واقعيٍّ كان يُعتَبَر قبلاً ضَربًا من ضروب خدعةٍ سينمائيةٍ فبركتها عاصمةُ النجوم والسينما هوليود!

زلزالٌ علميٌّ كونيٌّ فَعلَت إهتزازاتُه الإرتدادية فعلها في عقول أبناء الجيل الواحد والعشرين فشحذوا طموحهم لإعلان ثورتهم العقليةِ الجامحة على مفاهيم حياتيَّةٍ ودساتير مُجتمعيّةٍ وطقوسٍ دينيّةٍ وموروثاتٍ إيمانيَّةٍ أنزلتها من مَراتبها السابقة لتُخضِعَ مُعظمها إلى المُساءلةِ العلنيَّةِ والمُناقشةِ الصّارمة التي لم تتردّد في أن تُقارعُ أسوار الكنيسة وتقرعَ حصون الأديار والديريين!

بدايةُ زمن السبعينات الأدياريّةِ كاد أن يقع قطعُ علاقاتٍ عقليَّةٍ ونفسيّةٍ بين الأنبا أنطونيوس الكبير الشهير بأبي الرهبان وبين بعضِ أبنائه النّاهجين نهجه الوارثين سيرته ومسيرته، فانتفضوا يُشهِرون أسئلةً ترهُبيَّةً بالغة الحسّاسيّةِ بليغةَ الرُّهبَةِ ففكّوا عنها الحظرَ وفكَّكوا عنها التحريمِ فانبرى مُترهّبون مُتثورنون يقارنون بين عصرٍ آنيٍّ يُنجزُ أكتشافاتٍ علميّةٍ تُسابقُ الخيال البشري الماضي إلى الكواكب والمجرّات وتسبُقُ الدّاءَ المُستعصي ببراءة أدويّةٍ وأساليب طبيّة تكاد تُقيم الموتى، وبين عصرٍ غابرٍ أخذَ رجالاً وعذارى كثيرين ليسكنوا منعزلات الدنيا داخل أديارٍ قصيّةٍ وبرارٍ بعيدةٍ بحجة تلبية الدعوة الربّانيةِ.

مُترهّبون مُتثورنون رفعوا الصوتَ بوجه نذر طاعةٍ عمياء خرساء مُهمَّتُها الوحيدةُ برأيهم هي إعتقالُ العقلِ وسجن الإرادة الوثّابة وتطويق الطموح المُحِقّ، ورفعوا الصوتَ بوجه نذر عفَّةٍ تخالفُ أوّل ما تخالفُ قاعدةَ الخَلْق الأساسية «وخلق الله الإنسان رجُلاً وأمراة» فتسوقُ أجسادَ المُتبتِّلين إلى غير طبعها وطبيعتِها وتُسوِّقُ للأعفّاء بأن جماليات المرأة وجاذبيتها هو عدوُّهم الشرس. ورفعوا الصوتَ على نذرِ فقرٍ يرونَه مُتَحَكِّمًا بكلٍّ فكرٍ إنتاجيٍّ مُبدِع يناقض شعور البهجة بالملكية الفردية ويحكمُ عليه بالبلادةِ الإتِّكاليّة المُستندة فقط على آيةِ «تأملوا بطيور الفضاء إنّها لا تزرع ولا تحصد وأباكم السماوي يُقيتُها!»

عند اشتداد إرتجاج هذا المركب الرهبانيِّ وسطَ عتوِّ موج الخضّات الروحية إستيقظَ المُعلِّمُ الربّانُ من النوم المُترقِّب المُمتحِن ثمَّ أهَّبَ معه راهبه اللبناني المارونيّ الهمّام الفضائل، الأنطونيوسيُّ النذور، الغزير بمواهب الروح، الأب جوزيف الحاج العينطوري فنهضَ نهوض آباء البريَّةِ الكبار «يُقويّ الأيدي المُسترخيّة ويُشدِّدُ الرُّكَبَ الواهنة «!

من سلسلةٍ رهبانيَّةٍ أمَّنتني عليها صومعة مجلّة «المسيرة» يتصدَّرُها ـ رهبانٌ مُقاومون ـ عنوانًا لسيرةِ رهبانٍ لبنانيين تميَّزوا بجسد الأرز والصلبان، ما أرهبها ساعةٌ أُدوِّنُ في ثناياها وثوانيها حكاية راهبٍ عاش القداسة بكامل أشواطها وينتظره مركب الرب يسوع ليحمله إلى شاطئ تقديس صيادٍ عينطوريٍّ أجاد إلقاء شبكتِه في عُمقِ العُمقِ. هذا الراهب كان أخي في النذر والأسكيم ومقاعد الأخوة الدّارسين طوال خمس سنوات داخل دير وجامعة الروح القدس الكسليك. ونصطاف معًا في ديرنا الجردي الأحب على أرواحنا دير مار أنطونيوس ـ حوب في ذلك الوطئ التنوري المُقترب من مشاعات السّماء حيث تعرَّف الأخ جوزيف على سيرة آيات منارة وأعجوبة محابس لبنان الأب أتناثيوس الصَّغبيني فكان مُلهمَه الأول ومُحرِّضَه الدائم على القيام بثورتِه النسكية!

في ذلك الزمن الكسليكي الرهبانيّ تطوّع راهبان أبوان لتحريك مياه البحيرة الرهبانية وتشذيب خطِّ أمواجها لاكتشاف من هُم غَرقى ومَن ما زالو على بَرِّ وبِرِّ الأمان وهما اللاهوتيّ الرؤيوي الثاقبُ البصيرة حتى الروح النبوية الأب لويس خليفة العمشيتي القائم بانتفاضته على جبهة البيبليا، والمؤرّخ الرهباني النابغة والباحث المبدع في فتوحات حقائق الأديان الأب جوزيف قزي إبن الجيّة البار الذي تولّى جبهة «ديار عقل» ولَم يُقدِم هذان المقدامان على ما أقدما عليه إلاَّ من وحي إنذار الرب يسوع: «الويل لمن تأتي على يده الشكوك»!

الأب جوزيف الحاج العينطوري كان ثالث الرهبان الثوّار الأفذاذ الأكفّاء إنما بمبادئ أنطونيوس وباخوميوس وأيلاريون ومارون وسائر أبرار القورشيّة .

إنصرف إلى العلم بكامل طاقته وجديّتِه ومثابرتِه بالرغم من مستوى علمي عادي وعلاماتٍ مدرسيّةٍ ما كانت أرقامًا قياسيةً لا في لبنان ولا في روما، لقد كان عقلُه التلاميذيُّ المُتسامي يرغب في الإندماج بعقل تلاميذ بحيرة جنّاشر الصيادين البسطاء الذين أصطادوا أمم الأرض بعلوم عنصرة الروح القدس!

سافر الراهب جوزيف إلى روما أخًا دارسًا وبعدها كاهنًا عاش في المدينة العُظمى وسائر بلاد الإغتراب بثيابٍ رهبانيّةٍ لبنانيّةٍ كاملةٍ بأسكيمها الملائكي وخوذتها وعباءتها وزنّارها ذي زردة الصليبين ومشلحها، فكان مشهدًا للملائكة ولشعبٍ أوروبيٍّ يقرأ في مُحيّاه النسكيّ تواريخ محابس تلال لبنانه وأوديته ويغترفُ منه حكايات أخوتِه شربل البقاعكفري ورفقا الحملاوية ونعمة الله الحرديني واسطفان اللحفدي!

عانت رهبانية الأخ جوزيف ورؤساؤه كثيرًا من تمنُّعه العنيد عن قبول سر الكهنوت قد كان بالنسبة إليه من الأسرار العالية الإدراك الفائقة الوزنات التي لا يستحق إنعاماتها مُستوحيًا من الشماس أفرام الإلهي السرياني شاعر شعراء السماء والعذراء وكنارة الروح القدس لكنّه خضع بعد رهبةٍ لأمر الطاعة المقدسة وأقسم الرب عليه ولم يندم بأنّه كاهن إلى الأبد!

مُتضامنًا مع بلدته عينطورة المتن التي اجتاحها الهيرودسيون وأعملوا فيها الحرق والقتل والتهجير قرعت الجلجلة باب الأب جوزيف الحاج صيف 1984 داخل مقر  إقامته في روما فصمَّم ببطولةٍ فائقةٍ على اجتياز مراحل درب صليبها الأربع عشرة دون أن يُسبِّبَ ليسوعه المصلوب خسارة شوط مرحلةٍ واحدةٍ.

سرطانٌ في كبدِه فعل بجسده ما فعله الفالج بجسد أخيه شربل الحبيس، وما فعله تفكُّكُ عظام أخته رفقا، وما فعله داءُ الجَّنبِ بأخيه الحرديني، وما فعلته الحُمّى القاتلة بأخيه أسطفان اللحفدي.

فور علمه بما حلَّ بالأب جوزيف إتخذّ الأب العام بولس نعمان كامل إجراءات نقله من روما إلى لبنان، ومن مطار بيروت نقلته سيارة إسعاف بحالةٍ طارئة إلى مستشفى سيدة المعونات جبيل!

غرفته الإستشفائية وطوال أشهر كانت صومعة «راهب الأوجاع المضروب بعاهات سيده الذي بشدخِه شُفينا». عاش كامل ما عاشه معلّمه يسوع في عراء بستان الزيتون لكنه لم يسهر وحيدًا كانت أمه المباركة أوديت مريمَه وماسحة أوجاعه بمنديل فيرونيكا، وكان والده البار طانيوس رئيس ديره الأبوي العينطوري، أما أخوه الراهب الأنطوني موسى طانيوس الحاج فيقوم بقربِه مقام مئة قيروانيٍّ  فيُنسِّمه بنسائم رائحة البيت الوالدي ويرفع معه ذبيحة حَمَلِ الله ومذبح القداديس سرير الصّابر على ألف وجع ووجع.

إخوتُه الرهبان قصدوه من كل دير ليكتسبوا بركة مساميره وإكليله الشائك وخلّه ومُرّه إلى أن حانت الساعة التي أعلمها الآب لابنه جوزيف فطلب الرِّضى الأبوي من أبيه العام بولس نعمان وبسمة وجوه والده ووالدته وإخوته وأخواته ثم صلوات إخوته الرهبان مُطلقًا جملته الأخيرة :»أنا طالع ع السّما وصّوني». كان ذلك الإنتقال البهّي يوم خميس الأسرار 1985!

مثلما ذخائر رفات قداسة الأب شربل مخلوف البقاعكفري داخل ضريح دير مار مارون عنايا، والراهبة رفقا الريس الحملاوية داخل ضريح دير مار يوسف جربتا، والأب نعمة الله الحرديني والأخ إسطفان نعمة اللحفدي داخل ضريح دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان، هي اليوم ذخائر رفات الأب المغبوط جوزيف الحاج العينطوري  داخل ضريح دير مار موسى الدوار بانتظار يوم الرب لانضمام ضيعته عينطورة المتن إلى ضيَعِ وبلدات قديسي لبنان!!

 

سيرة الأب جوزيف المغبوط  جوزيف الحاج العينطوري:

– ولادته 9 تموز 1951

– والده طانيوس موسى الحاج

– والدته أوديت جرجس عازار

– قبوله سر العماد في كنيسة سيدة المعونات عينطورا 10 حزيران 1951.

– دخوله دير الإبتداء سيدة المعونات جبيل 9 تموز 1966 ومعلّم إبتدائه الأب أنطونيوس شينا الحبيس لاحقًا!

– نذوره الأولى 23 حزيران 1968 دير المعونات.

– إنتقاله إلى دير وجامعة الروح القدس للدراسة تشرين الأول 1968.

– سيامته كاهنًا أول تموز 1979.

– إنتقاله إلى السماء 4 نيسان خميس أسرار 1985.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل