مَن يَرِثُ مَن؟

ولأنّ الناسَ يُعرَفون بسلوكيّاتهم، وأساليبِهم، ويتفاوتونَ بتعاطيهم مع القضايا المختلفة، فسريعاً ما  يواجهونَ حالةَ انكشافٍ تفضحُ حقيقتَهم، وإنْ كان، لهم، في ضروبِ التّمويهِ، والتلطّي، مهارةٌ خاصة.

هذه هي حالُ أصحابِ الدُّربةِ في السياسةِ، والحكم، عندَنا، حتى لنَحسبَ أنّ ” الصّدرَ الأعظمَ ” بُعِثَ، وبدَّلَ محلَّ إقامتِه. ولطالما كان في يدِ هؤلاءِ مَقبضٌ أدارَ جهازَ التّصفيقِ في جماعةٍ من النّاسِ الذين لم يعرفوا كيف يتحاشَون الفِخاخَ التي تُطبقُ عليهم، وكأنَّ سُلَّمَ تصنيفِ القَبولِ والرّفض، لم تَجمعْهم به أيّةُ قَرابة.

لكنّ حياكةَ الضّجيجِ لم تمنعْ أهلَ الفكرِ الصّافي من كشفِ النّوايا المبطَّنةِ بالسّوء، والتي يستثمرُها أصحابُ الأذهانِ البائسةِ، والدسائسِ البغيضة، لإطالةِ سَوادِ أيّامِ الوطن، وافتراسِ حياةِ الناس. فالمتنوّرون لن يلبسوا، حتى انقضاءِ الدّهر، ثوباً من الصَّبرِ، ولن يقصّروا في الإبانةِ، والدّلالةِ، والتّنبيهِ الى أنّ الكرامةَ لمّا تزلْ موجودة. فهؤلاءِ يملكون تحفيزاً مملوءاً بالحميّةِ، وبالجرأة، لا يتمُّ قَدحُ النّارِ إلّا به، لأنّ عنفوانَ الحريّةِ غالِبٌ عليهم، وقد سلّموا إليه زمامَهم، فكان له، عليهم، أُذُنٌ وعَين.

من المعروفِ أنّ بين الحاضرِ والآتي من الأيام، تعاهداً وتواثقاً، حتى قيل إنّ واحدَهما يبذلُ الإخلاصَ للآخرِ، والمودّةَ، ربّما لأنهما حالةٌ واحدةٌ في تَعاقُبِ الزّمن. وقيلَ، أيضاً، إنّ المستقبلَ هو إسقاطٌ حتميٌّ لِما قبلَهُ، لأنهما يستقيانِ من جدولٍ واحدٍ هو الوقت. إنّنا لا نعترضُ، في المطلَق، على هذا التّوصيفِ في عمارةِ الأزمنة، غيرَ أنّه لا بدَّ من أن نبذلَ جهدَنا لتبديلِ نبراتِ الأحداثِ، حتى لا تتابعَ هي ذاتُها، وتتكرَّرَ، وتُستَنسَخَ، فنجد أنفسَنا، في الآتي من الزّمن، ونحن نعاني انفصاماً بين جسدٍ ماديٍّ يعيشُ في زمانِهِ، وبين حالٍ ذهنيّةٍ تقبعُ في الماضي.

إنّ فتحَ جبهةٍ مع أركانِ السلطة، بالنّقدِ السّاخر، وإنْ كان شديدَ الحُمرةِ، لا يؤجّجُ انتفاضةً، لكنّ ذلك لا يعني، ابداً، أن يتمَّ التّراجعُ عن المطالبةِ بفتحٍ جدّيٍ للاستصلاح، بالتّحذيرِ والإنذار، على طريقةِ ” موليير “. إنّ الوطنَ هيكلٌ واهٍ معرَّضٌ للانهيار، والدولةَ دعائمُها مفسّخةٌ ومشلولة، وأصبحَ الفسادُ نظاماً في جميعِ القطاعاتِ ولدى كلِّ المرجعيّات، لكنّ هذا الواقعَ الأَسوَدَ لا ينعكسُ إلّا على القاعدةِ الشعبيةِ التي تعاني الجوعَ، والقهرَ، والفقرَ، والحزنَ جرّاءَ قرارِ الهجرة… من هنا، ينبغي على الناسِ رفضَ أن يستمرّوا غنيمةً سهلةً ينهشُها الحاكمونَ، والنهّابون، وسماسرةُ التّجويع، وإقطاعيّو السياسة، ليستمرَّ، بذلك، مناخُ الظّلمِ والإجحافِ سائداً.

هنالكَ فرصةٌ لتغييرِ المقاييسِ المشبوهة، ونسفِ المشروعِ المَقيتِ الرّامي الى تلوينِ الأرضِ بغيرِ لونِها، والوصولِ بالناسِ الى حيّزِ الخضوعِ الطّوعي…هنالكَ غَدٌ واعدٌ بالتحوّلِ، ولكنْ بشروط. إنّ الانتخابات ليست بدعةً، إنّها عصا غليظةٌ يمكنُ رَفعُها في وجهِ الطّبقةِ التي أرهقَتِ البلدَ بفسادِها، وعمالتِها، وجبانتِها، وسوءِ تدبيرِها… الانتخابات ليسَت شكليّةً، بمعنى أنّ حصولَها لن يحقّقَ آمالَ الشّعبِ الرّازحِ تحت الهيمنةِ القهّارةِ، وسيفِ الجوعِ والفقر، ولن تأتيَ نتائجُها إلّا لمصلحةِ المراوغينَ، والمافياويّينَ في السلطةِ، ولن تقدّمَ للناسِ سوى العكاكيزِ ليبقوا عُرجاناً ومكرسَحين. الانتخابات ليسَت كذلك، على الإطلاق، إذا تمكَّنَ الوعيُ من قرارِ الشّعب.

إنّ النّقيضَ الحتميَّ للدولةِ الخارجةِ عن مفهومِ الدولة، ولتمتينِ صلةِ التخلّفِ بالنّاس، ولتَناسخِ الإقطاعِ السياسيِّ والاقتصادي، ولترسيخِ التّوازنِ البهلوانيِّ الأعوَج، ولتعميقِ الإجحافِ والظلمِ في جسدِ الشّعب، هو الانتخابات. نعم، فالانتخابات، وحدَها، مَهمّةٌ مفروضةٌ على الجميعِ لتقويمِ الوضعِ المستشري، وهي انتقالٌ موثوقٌ، إنْ تحلَّقنا حولَه، الى وطنٍ كريم، ودولةٍ قادرة، والى غدٍ يرى النّورَ ومُطَعَّمٍ بالخيرِ والفرح، والى انتصارٍ للحقِّ في البقاء.

إنّ الالتفاف اللَّصيقَ حولَ قرارِ المشاركةِ الكثيفةِ بالانتخابات، هو أمرٌ مُلزِمٌ لإسقاطِ مَنْ تسبَّبوا بواقعٍ قبيح، وبانحطاطٍ قاتِل، وبسيطرةِ شريعةِ الغاب، وبالضَّرَرِ الجاثِمِ على معيشةِ الناس، وبِكَمٍ صوتِ الحريّة، وبجعلِ الوطنِ قبراً مفتوحاً، وبقتلِ الحقوقِ… إنّ المشاركةَ بالانتخابات واجبٌ وطنيٌّ لمكافحةِ الوباءِ السّلطويِّ الذي تحكّمَت بَطانتُهُ الفاسدةُ بمقدّراتِ البلد، ولصدِّ الأخطبوطيّةِ التي ارتكبَتِ الموبقاتِ في المؤسّساتِ، واعتدَت على رِزقِ الناسِ، واستباحَت لقمتَهم، وشكّلَت مؤشّراً فاضحاً لقياسِ الفساد.

إنّ التخلّصَ من موسمِ السّمومِ، والمراوغة، وتدميرِ الكيان، وتَراكُمِ البلايا، ومن جهنّمِ الحرمانِ، ليس مستحيلاً، ونسبتُهُ ليسَت ضئيلةً، وهو يقتضي وَعياً عاماً محفِّزاً الى المشاركةِ بالانتخابات، للعبورِ الى وطنٍ نظيفٍ خالٍ من الزَّيَفِ، والوعودِ الكاذبة، والوصوليّةِ المُغرِضَة، واستغلالِ المواقعِ والمراكزِ للنّهب. ولكن، ينبغي، أيضاً، وهذا شرطٌ مفروضٌ وكافٍ، أن نُحسِنَ الاختيار، لإيصالِ الموثوقينَ في وطنيّتِهم، وقِيَمِهم الخُلُقيّة، وصِدقِهم المحمود، وضميرِهم النَيِّر، واندفاعِهم لمواجهةِ الفضائحيّينَ ومقاضاتِهم، واستعادةِ الوطنِ الى الوطن… وهؤلاءِ معروفون.

يا شعبَ لبنانَ الحكيم، كُنْ على ثقةٍ أنّه بغيرِ ذلك، لن تتمَّ القيامة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل