ردّاً على أنطون الفتى… ومرجعه

لعل أصعب معارك القوات اللبنانية التي تخوضها اليوم هي معركة إخراج المسيحيين من عنق زجاجة الخيبة التي “حشرهم” فيها سقوط كذبة العقود الثلاثة بعد الآمال الهائلة غير الواقعية التي جعلتهم يصدّقون أن دورهم وتاريخهم مرتبط بشخص اعتبروه نصف إله وصنّفوا أنفسهم في مصاف الملائكة، وتكفي متابعة الفوقية التي يتحدّث بها مسؤولو التيار الوطني الحر وخصوصاً المسؤولون مباشرة عن تراكم الفشل العام الذي تسبب بنصف الدين العام معتبرين أنفسهم أنصاف ميشال عون.

إذا كان اللبنانيون في جهنم اليوم رغماً عنهم، وهم كذلك، فالمسيحيون سبقوهم إلى جهنم طوعاً منذ ثلاثة عقود ونيف عندما حوصروا بالأوهام وسُلِخ عنهم تاريخهم وقيمهم وتنوّعهم ودورهم ورسالتهم في تأسيس الكيان وترسيخ البيئات والمجتمعات والإرساليات في مسار شجاع لثلاثية كنيسة، مقاومة وشعب قبل أن يكون هناك دولة وجيش. هذه العقود الثلاثة لم تنهك القوات اللبنانية فحسب، بل أنهكت جميع عناصر تلك الثلاثية التي صمدت لقرون في أصعب الظروف العسكرية والسياسية والمعيشية وسقطت عندما ضُرِبَت جهنمياً من الداخل، والأشد إيلاماً كان مشهد الشعب المصفّق هاتفاً “أصلبها، أصلبها”.

هذه السردية السريعة التي تحمل في تفاصيل أحداثها الكثير مما يندى له الجبين، والتي تتطلب بعد الخروج من عنق الزجاجة، وسنخرج طبعاً ببذل الجهود اللازمة والمضنية والواقعية بعيداً عن ممارسة سياسة البهلوانيات والشعارات الهمايونية وسراب الحلول السحرية، بعدها سيكون على مجتمعنا وعلى رأسه مرجعيات المسيحيين الكنسية، المقاومتية والنخبوية تشكيل حلقات دراسة لاستخلاص العبر واستنباط الحلول الآيلة إلى عدم تكرار هذه التجربة المريرة وعدم الوقوع في فخ أنصاف الآلهة، نحن المؤمنون بإله واحد آب ضابط الكل.

والآن نعود إلى مقالة الأستاذ أنطون الفتى في موقع وكالة “أخبار اليوم” التي تحمل من التجنّي بقدر ما تحمله من التمنّي، وعلى افتراض حسن النوايا، نورد بعض التفاصيل وإلى جانبها بعض العتب على الأقلام الصحفية التي يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ في معركة إعادة إحياء “الحالة المسيحية” عوض نشر التيئيس والإحباط، ونبدأ بضرورة اعتماد المصطلحات الصحيحة مثل “غزوة عين الرمانة” وليس “أحداث الطيونة” وطبعاً دعم المسيحيون أبناءهم وأهاليهم الذين واجهوا الغزوة ولكنها ليست المواجهة الأولى التي خاضتها القوات في وجه كل محاولة خرق وفرض أمر واقع على الأرض منذ 23 كانون الثاني 2007 وحتى 14 تشرين الأول 2021 وما بينهما من محطات وما قد يستجد مستقبلاً، ولكن العتب على الأقلام الصحفية التي تغفل وجود موقوفين ظلماً وملاحَقين وقد تكون هذه فرصة لتدارك هذا التقصير بإطلاق حملة إعلامية متضامنة ندعو الأستاذ أنطون لبدئها لإطلاقهم ووقف التعقبات.

أما ما تقوم به القوات بشكل دائم تجاه المجتمع في الظروف الحياتية الصعبة من تأمين المستلزمات الضرورية، وهي منذ ثورة 17 تشرين مستنفرة أجهزتها في الداخل والخارج وزادت من جهودها مع بروز جائحة كورونا لتأتي فاجعة تفجير مرفأ بيروت لتجد القوات نفسها تلقائياً في شوارع المناطق المنكوبة وبتصرّف أهاليها بكافة قدراتها وأجهزتها ومصالحها وعناصرها وطلابها على الأرض لمنع وضع اليد الغريبة على ما دمّرته اليد الآثمة، ولو اعتمدنا مقياس الأرقام، فالإمكانيات المادية المحدودة تبلغ خمسة ومع الإمكانيات القواتية البشرية غير المعدودة ضاعفتها إلى عشرة، فيما المطلوب هو مئة، وعلى الرغم من ذلك يخرج من يقول “أين القوات” ونحن نقول، ومن دون التنكّر لدور الكنيسة والجمعيات، تخيّلوا لوهلة أنه لو لم تكن القوات موجودة للملمة ومعالجة آثار العدوان السياسي والعسكري والمعيشي الذي يتعرّض له مجتمعنا، كيف كان ليكون الوضع على الأرض؟ لا يا أستاذ أنطون، القوات تقوم بواجبها وأكثر في التعويض عن تقصير سلطة لا تقوم بواجبها كي لا نقول أكثر، تقوم بواجبها من دون أضواء وضوضاء و “تربيح جميلة” ولكن المعيب هو في نكران الجميل.

ونغادر رقعة الردّ الموضعي، إلى بيت القصيد في دعوة المسيحيين خاصة واللبنانيين عامة إلى أن يصوّتوا “صح” وسعر صرف الدولار الذي شغل الدنيا في الحديث عن انخفاضه ولم يشغلها للحديث عن ارتفاعه الجنوني وأسبابه السياسية الناجمة عن ممارسات هذه المنظومة، في هذا التفصيل طبعاً ومؤكداً أن التأثير السياسي على التلاعب بسعر الصرف سينتهي ليبقى الأثر الاقتصادي الذي لا يمكن لهذه السلطة العاجزة أن تعالجه، والتصويت “صحّ” هو بداية تصحيح الوضع الشاذ بأكمله لجهة إدارة الدولة وإحياء المؤسسات وحث الصالحين من أمثال القوى العسكرية والأمنية وبعض القضاء إلى تصدّر المشهد، والتصويت “صح” وحده الكفيل بإعادة تكوين السلطة في وجهها المؤسساتي لإعادة الثقة وانفتاح لبنان على العالم مجدداً وعودة العالم إلى الاهتمام بدولة تكون جزءاً من المجتمع الدولي لا بؤرة فساد وفشل وتصدير الموت على أنواعه، من هنا نبدأ حتى لا ننتهي.

وختاماً، وفي انتشال لبنان من مشاريع تغيير الهوية، فهذه معركة مستمرة منذ كان لبنان بمساحة مغارة في جبل لبنان وتوسعت منذ إعلان “لبنان الكبير”. ولكن ليعلم الجميع بأن القوات اللبنانية ليست على استعداد لخداع اللبنانيين بشعارات وهمية وخذلانهم كما حصل منذ ثلاثة عقود ونيف وما زلنا جميعنا نعاني من نتائجها الكارثية. نحن سنبقى كما كنا ونشأنا وقاومنا حراساً للهوية وستبقى القوات اللبنانية في رقعتها الضيقة على مساحة ستة أمتار مربّعة أو الواسعة على مساحة الوطن ضمانة “الهوية اللبنانية” ومتى كُتِبَت علينا خطى سنمشيها سواء هلّل الجميع وصفّقوا أو استهجن البعض ونبقى ونستمر على نهجنا التاريخي المقاوم حتى لا يصحّ إلا الصحيح، وأولى الخطوات المطلوبة من المسيحيين واللبنانيين أن يصوّتوا “صحّ” لمصلحة قيام الدولة التي سعت وتسعى القوات اللبنانية لقيامها وتكرّس حركتها ونضالها لدولة تكون وحدها ضمانة للسيادة والاستقرار وتحقيق حلم وحق الإنسان اللبناني بجمهورية تتلاءم مع ثقافته ورقيّه وقدراته وطموحاته.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل