السيّاح “رُحِّلوا” والمؤسسات السياحية تستغيث

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1724

السيّاح «رُحِّلوا» والمؤسسات السياحية تستغيث

… كان ينقص نسف العلاقات مع الخليج!!

تحل الأعياد للعام الثاني على التوالي ولبنان في أزمة والناس في إحباط والقطاعات الإقتصادية كافة تعاني الصعوبات، وتحاول ابتكار وسائل تأجيل السقوط وفن محاربة اليأس بعدما ملّت انتظار الحلول. فما لم تتكفّل به جائحة كورونا لجهة تجميد الحركة سواء الوافدة أم الداخلية في المؤسسات السياحية والأسواق، تكفّل به المسؤولون وأمعنوا فتكاً بكل فسحة أمل أو مؤشر حركة. في العام الماضي كانت الحركة مقبولة وإن ضعيفة، فلم يكن دولار السوق قد بلغ السقوف الفلكية التي عليها اليوم، ولم يكن لبنان في مثل هذه الحدّة من أزمة العلاقات مع العرب والعالم، ولم تكن هناك حكومة قائمة دستوريًا لكنها لا تجتمع. وطبعًا مثل كل ذلك أسعار المحروقات والسلع والمواد الغذائية. فبأية حال يعود العيد الحالي، وبأية كلمات يمكن وصف الوضع؟

معلوم أن المؤسسات السياحية في لبنان هي وريد الإقتصاد. فالسياحة لطالما كانت تساهم بما يزيد على 30 في المئة من الدخل القومي، وفي زمان العز ذاك كانت تبيض ذهبًا وتُثمر ياقوتًا. لكن جمود العام الحالي وبشهادة أهل القطاع لم يعرف لبنان مثيلًا له منذ عقود أو ربما في تاريخه الحديث. رحل السياح الخارجيون إلى وجهات أخرى أكثر أمانًا وراحةً وطيب علاقات، وانكفأ الرواد المحليّون إلى المنازل بعدما حاصرهم تراجع القيمة الشرائية للعملة من جهة، والتوتّر النفسي والسياسي وأحيانًا الأمني، من جهة ثانية.

 

الحسرة قاسمٌ مشترك

يقول أرباب القطاع ممن التقتهم «المسيرة»: «لا نريد من الحكومة أو من القوى الفاعلة أن تساعدنا، ما نريده فقط أن يتركونا نعمل، ألّا يقطعوا في وجهنا الطرق ويسلبوا منا المبادرة. أموالنا في المصارف لا نستطيع تحريكها للإستثمار أو التطوير، الكهرباء أسوأ مما كانت عليه العام الماضي مما رفع فاتورة التشغيل إلى أرقام خيالية بعد رفع الدعم عن المازوت، إضافة إلى ارتفاع باقي المتطلبات، فيما نستوفي من النزيل بالليرة اللبنانية». ويضيفون: «كأنه ما كان ينقص هذا القطاع إلا نسف علاقات لبنان مع البلدان العربية، سواء بتهديد أمنها، أو بتوريد الممنوعات إلى أسواقها، أو بشتمها ولعنها وهي التي ما بادرتنا إلا بكل خير سواء على صعيد القيادات والحكومات أو على صعيد الأفراد الذين على الرغم مما مرّ به لبنان من حروب سابقة لم يتخلوا عنه وظل وجهتهم المفضلة، إلى أن جاء الوقت الذي أجبروا فيه على الإنكفاء.»

الحسرة قاسمٌ مشترك بين جميع مالكي ومسؤولي المؤسسات السياحية. ولا يمكن لأي زائر لتلك المؤسسات إلا مشاركتهم الحسرة والواقع المرير. ويقولون «طبعا تختلف الحركة في مدى الشلل بين منطقة وأخرى. ولا نكشف سرًّا إذا قلنا إن المؤسسات القائمة في المناطق الخاضعة لسطوة السلاح والتفلّت الأمني المتمادي وفرض قوانين تتعارض مع تقاليد الضيافة اللبنانية كمنع تقديم الخمور وغيرها من «الممنوعات» في قوانينهم، أو المناطق المحاذية لها، هي أكثر سوءا من تلك القائمة في مناطق ما زالت تشبه لبنان الفرح والسياحة الراقية والتقاليد الجميلة. ففي هذه المناطق بدأت وتيرة الروّاد ترتفع تدريجًا كلما اقتربنا من عيدي الميلاد وراس السنة».

 

عبدالله يرفع الصوت

يشير عضو إتحاد نقابات المؤسسات السياحية غسان عبدالله إلى أن قطاع السياحة واحد من القطاعات الأساسية التي أصيبت بالأزمة الحادة التي وصل إليها البلد. فنحن ضمن فئة ما زالت تقبض باللبناني (المؤسسات السياحية البحرية) ومعظم مصروفاتها وتجهيزاتها بالدولار الأميركي، حيث تدنى سعر الدخول لهذه المؤسسات الصيف الماضي إلى حدود راوحت بين 40 ألف ليرة ومئة ألف ليرة لبنانية أو ما يعادل 2 إلى 5 دولارات للفرد الواحد. بينما كان أقله في السنوات الفائتة بين 15 إلى 30 دولارًا للفرد. هذا بالنسبة إلى الدخل، أما المصاريف فمعظمها بالدولار الأميركي من مواد التنظيف والكلور وكراسي بحر إلى الأدوات الكهربائية… وهذا انعكس سلبًا على النتائج. والهدف الأساسي من العمل الصيف الفائت كان الأمل بغد أفضل، بينما كل المؤشرات كانت تدل على عكس ذلك» ولكن ليس باليد حيلة».

وعن فترة الأعياد الحالية يقول لـ»المسيرة»، «إن وضع المؤسسات السياحية في فترة الأعياد كارثي فالعديد منها بات مقفلا والعامل منها، فقط لمناسبة رأس السنة، فيما نسبة حجوزات الفنادق ضعيفة، وحجوزات المطاعم متوسطة لا سيما في وسط بيروتوشرقها. أما في المناطق الجبلية وخصوصًا أماكن التزلج، فالحجوزات ضعيفة حيث أن كلفة المحروقات مرتفعة فالمازوت والحطب أصبحا يشكلان 40 في المئة من كلفة التشغيل، بالإضافة إلى بدلات النقل للموظفين ما يرفع السعر على الضيف، وهناك أيضًا تأثيرات جائحة كورونا. لكن نأمل خيرًا وعسى أن تكون الأمور جيدة».

ويلفت إلى أن»المبادرات محدودة، فهناك مبادرة وزارة السياحة حول «لبنان بجنونك بحبك». وهناك حركة وافدين إلى لبنان لكن بمعظمها من المناطق التي لا تغطيها حملة وزارة السياحة، فالقادمون إلى لبنان هم من المغتربين بهدف قضاء عطلة الأعياد وزيارة الأهل والأقارب، الأمر الذي من الممكن أن يؤثر إيجابًا على وضع الحجوزات في المطاعم وبعض الأماكن الجبلية. لكن من الواضح أن الأمور متجهة بعد الأعياد إلى فترة إقفال جديدة والجميع يهرب من الإقفال حاليًا للإستفادة من الأعياد. والمؤسسات تحت شعار: «بكرا أفضل» وتدفع خسائر يومية ودورية».

وبسؤاله عن إمكانية الدعم لتوفير القدرة على الإستمرار يجيب بحسرة: «من أين سيأتي الدعم؟ الدولة تستمر في استيفاء كامل الرسوم المطلوبة وتبحث في زيادة بعضها ومنها الضريبة على القيمة المضافة. الدولة أفلست وتريد مالا كيفما كان، وعليه لا أمل بدعم من الدولة والمصارف، أما من الجهات المانحة والخارجية فليست المؤسسات السياحية في أولوياتها، فقط بعض المساعدات الناتجة عن انفجار المرفأ».

 

ويبقى الأمل ببكرا أفضل

أشجار المولات وزينة الأسواق عادت مع العيد، لكن تبدو كأنها تكتفي بطرد الكآبة واليأس ولا تغامر في نشر فرح ما عادت تتلقفه القلوب. وعوضاً عن لوحات الإعلانات المروّجة للمجوهرات والمشروبات وحفلات نهاية العام كما العادة، تكثر إعلانات للخزنات وماكينات احتساب الأموال وكاميرات المراقبة وتخفيضات على التحويلات المالية من الخارج وداخل البلاد. وهذا ما يعكس الحال القائمة حاليًا.

نعم، تغيّر وجه المدينة. فعلى رغم الأعياد، غابت الزحمة عن متاجر الألبسة ومحال الألعاب والباتيسري، وازدحم اللبنانيون في صفوف أمام الصرّافين متأرجحين مع بورصة مافيات تعب الناس، أو أمام مراكز الأمن العام للحصول على جواز سفر والمغادرة إلى أي بقعة في الأرض غير هذه الـ10452 كيلومترًا مربعًا القابعة شرقي المتوسط وعلى خط الزلازل ووسط أزمات العالم كله. لا، لبنان ليس بخير في سياحته وأمنه واقتصاده وعلاقاته وناسه وحكامه… ليس بخير. لكن هذا لا يعني ألّا حلول ولا عودة إلى الحياة من جديد، فإيماننا أن بعد الموت قيامة. والحقيقة أنها لا تأتي إلا بإرادتنا وتصميمنا وخياراتنا الصحيحة… وعلى الأمل المنشود، أعياد مجيدة وسنة مباركة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل