15 كانون… ضربة قاسية وموجعة

في مثل هذا اليوم منذ 36 عاماً، وعلى خلفية الاتفاق الثلاثي المُبرم بين المرحوم إيلي حبيقة وشركائه داخل المنطقة الشرقية من جهة، والأحزاب المسيطرة على الضفة الأخرى من جهة أخرى، وبغطاء سوري يهدف إلى وضع اليد على كامل الأرض اللبنانية، قاد سمير جعجع حملة عسكرية كبيرة كانت نتيجتها إسقاطاً مدوياً للاتفاق الثلاثي، وبالتالي، توجيه ضربة قاسية وموجعة جداً للمحتل السوري الذي كان يرى بهذا الاتفاق الجائزة الكبرى والنتيجة الحتمية لاحتلاله لبنان على مدى 11 سنة.

بعد محاصرة حبيقة في الكرنتينا، هدّدَ السوريون بِفتح الجبهات في الشمال، وشركاء حبيقة الخفيين بفتح الجبهات في الداخل إذا اقتُحم مقر حبيقة. ولخطورة الوضع، تم السماح لملالات الجيش اللبناني بالدخول إلى مبنى الأمن ونقل حبيقة ومن معه إلى وزارة الدفاع ومن ثم الى زحلة.

لن نغوص في التفاصيل والشركاء المخفيين في الإتفاق، فقد سرد المرحوم إيلي حبيقة القصة كاملة، لكن تجدر الإشارة إلى أنه وبفعل عملاء الداخل، عاد السوري ونفذ قسماً لا بأس به من الاتفاق الثلاثي من خلال التطبيق المبتور لاتفاق الطائف الذي لُزّم تنفيذه، ولسخرية القدر، عاد وبواسطة قائممقامه، أوصل الطرف المخفي في الاتفاق إلى الحكم، لاستكمال المخطط المرسوم.

الشبه كبير جداً بين الأمس واليوم، فذاك الاحتلال لا يزال موجوداً بأطيافه وشياطينه، والخونة لا يزالون هم هم. وانعاشاً لذاكرة البعض، ولكل اللبنانيين الذي شيطنوا لهم القوات اللبنانية وقائدها في تلك الفترة، سنورد بعض المقتطفات من أحاديث وخطابات الدكتور سمير جعجع التي وردت في الفترة التي تلت 15 كانون الثاني 1986.

“العلاقات المميَزة كانت موضوعة في شكل يحق بموجبه للقوات السورية ان تتمركز في أي بقعة من بقاع لبنان تراها ملائمة لضرورات استراتيجية في معركتها القومية ضد اسرائيل. أي أن هذه النقطة وضعت لتتمكن سوريا من تحريك جيشها إلى أي مكان تريده ما عدا الجنوب، لأسباب تتعلق باسرائيل. فضلاً عن التنسيق على مستوى السياسة الخارجية مما يعني استحالة اتخاذ أي موقف على صعيد السياسة الخارجية والدولية بمعزل عن التنسيق مع سوريا، مما يعني، تبعية سياسية خارجية كلَية من دولة ضعيفة كلبنان لدولة قوية كسوريا”.

“حينما أرسل الرئيس الأسد جيشه الى لبنان، لم يكن ذلك للتسلية أو لأسباب إنسانية، وإنما لمطلب معيَن من لبنان وهو على مستوى استراتيجي وليس على مستوى تكتيكي. حافظ الأسد وسوريا ليسا جمعية مار منصور أو سان فانسان دو بول، وجود الجيش السوري في لبنان يعود إلى نظرة سورية واضحة هي المشروع السياسي الذي يقضي بالسيطرة على لبنان”.

“إذا كانوا يعتقدون أنهم من وراء هذا الضغط يجبروننا على الاستسلام أو على أمر واقع معين، فهم مخطئون جداً، لأن تاريخنا واضح ومليء بالأمثال عن مدى مواجهة شعبنا الاحتلالات ومقاومته المحتلين وصموده الدائم، حتى أن بعض مدننا كانت تفضَل الانتحار الجماعي على استسلام للعدو عندما كانت تنحشر في الزاوية. ونحن اليوم لن نقوم بانتحار جماعي، إنما بمقاومة جماعية لإلزام العدو على الانتحار الجماعي”.

“أقول لكل واحد منا ولكل شعبنا في المناطق الحرة وفي كل أنحاء لبنان، أننا شعب حي وجدير بالحياة وبالمستقبل ولن نقبل بمقايضة الوطن باللقمة، لأننا بذلك نكون متأكدين من خسارتنا الوطن واللقمة. وأنا متأكد من أننا سنحاول معاً تكييف حياتنا اليومية المعيشية بشكل يسمح لنا بمواكبة كل الضغط الاقتصادي المستجد مهما بلغ من قوَة ومهما استمر من وقت. وبالنسبة إلينا كمقاومة وكشعب مقاوم، سنتعاطف بعضنا مع بعض، ونضع كل جهودنا معاً”.

في زمن التنطنط واللعب على الحبال وحفظ الرؤوس والخوف على المكتسبات، وفي زمن قلّت فيه الرجال على حساب أشباهها، تبقى القوات اللبنانية ثابتة على خطٍ واضحٍ مستقيمٍ لا يلتوي، خط الدفاع عن الوطن والإنسان في كل زمان ومكان، مهما قست وتبدلت الظروف، ومهما اشتدت وكبرت الضغوط.

فقائدها لم يساوم عندما كان مسؤولاً على جبهة الشمال، ولا عندما أصبح قائداً لأقوى وأكبر مجموعة عسكرية عرفها لبنان، ولا من داخل سجنه المظلم على مدى 11 سنة، وطبعاً… لن يساوم اليوم على أي شيء يمكن أن يمس بالقضية التي بذل الآلاف حياتهم ودماءهم ودموعهم وتعبهم وحريتهم من أجلها، دفاعاً عن لبنان واللبنانيين جميعاً.

يوم كان التنين السوري في أوج قوته وسيطرته وتسلطه على لبنان، استطعنا أن ننتشل لقمة لبنان السائغة من بين أنيابه، وهذا ما لم يهضمه حتى اليوم لا هو ولا عملاؤه.

فمهما كبرت وعظمت قوة هؤلاء العملاء، ومهما بلغت تهديداتهم وتهويلاتهم، سنبقى حراس هذا الوطن بكل أطيافه ومذاهبه، ومهما بلغوا من قوة، لن يصلوا أبداً إلى مستوى أسيادهم الذين كان لنا معهم صولات وجولات، وعلى رأسها انتفاضة 15 كانون الثاني 1986.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل