الاستقلالُ… الرّابع؟؟؟

لقد نحرَت همجيّةُ المسؤولين والحكّامِ وأصحابِ الألقابِ مفهومَ الاستقلالِ بسلوكٍ صادرَ قرارَ السيادة، أو أعطى صكَّ تَمَلُّكٍ لهيمنةٍ هجينة، ما دمّرَ دولةَ الكرامةِ، والأمان، والانتصار للإنسان. وقد نَحَرَ عارُ المتسلِّطينَ مُحَيّا الوطن، وشوّهَ حلَّتَه، فدُوِّنَ في سجلِّ الانهيار بأنّه لوثَةُ الزّمنِ الرّديء. ومهما كانت قراءةُ هذه الوقائعِ بريئةً، وحسنةَ النيّة، غير أنّ إمعانَ النّظرِ في مجرياتِ الظّروف، لا يتركُ مجالاً للشكّ في أنّ المتعاقبين على رِقابِ الناس، أو أكثرَهم حتى نكونَ موضوعيّين، رسّخوا انحطاطَ البلد، وتَخلُّفَه، ورَمَوا مشهدَ لبنانَ في دائرةِ النّار، وسجّلوا رقمَه في جدولِ الموت.

أمّا الإشكاليّةُ التي تَطفو على سطحِ الأذهانِ والألسنةِ، فهي: متى يُبدَأُ بإعادةِ إعمارِ وجودِ البلاد، سيادةً، وكرامةً، وأماناً، وكياناً حرّاً، بعدَ انسلاخِها عن كلِّ هذا المُعجَمِ الوطنيّ ؟؟

لقد تمَّ شَطبُ لبنانَ من فهرسِ البلدانِ المستقلّةِ، وهذه فضيحةٌ مُقيمةٌ في وَضحِ النّهار، وجريمةٌ مُدانةٌ يُعاقَبُ عليها بتهمةِ الخيانةِ العُظمى، أتاها المُمسكونَ بزمامِ الدولة، الذين نَأَوا بأنفسِهم عن الحسِّ الوطنيّ، وعن أبسطِ واجباتِ الولاء، ولن ينفعَهم، في بابِ التّبرير، أيُّ تشويشٍ، أو تلفيقٍ، أو تَضييعٍ للحقيقة.

إنّ البندَ الوحيدَ في خارطةِ المهمّةِ الوطنيّةِ الإلزاميّة، هو استرجاعُ البلدِ من أشداقِ جهنّم، ومن محميّاتِ الحكمِ المسلوب، وهذا ليس خياراً إنّما هو واجبٌ له مَذاقٌ خاص لأنه يُعرّي عصاباتِ المتآمِرين الذين احتكموا الى العمالة، ويُعيدُ لبنانَ الى كَنفِ السيادةِ والحياةِ الحُرّة. إنّ هذا البندَ لا يحتملُ الانتظار، أو التّأجيلَ، إطلاقاً، فالإعلانُ عن بدءِ مرحلةِ استعادةِ سلامةِ الوطن، هو مطلبٌ مُلِحٌّ، لأنّ الوقوفَ مَكتوفي الأيدي أمامَ الشرّ، هو مشاركةٌ في الجريمة، ومساهمةٌ في تَجريعِ النّاسِ مُرَّ الذلِّ، وطأطأةَ الكرامة.

إنّ النّاسَ، اليوم، ليسوا بحاجةٍ الى صدمةٍ نوعيّةٍ تُعيدُ الوعيَ الى عنفوانِهم، ليتأكّدوا من أنّ الكرامةَ الوطنيّةَ مواجهةٌ وليسَت استجداءً. فالنّاسُ ملّوا من عَفَنٍ متراكمٍ في الحكمِ، اغتالَ آمالَهم، وأزهقَ سلامتَهم، وزجّهم في أقبيةِ الهوانِ، والفقرِ، والهجرة، وسفكَ وعدَهم بالأفضلِ، وبعثَ جحيمَه ناراً تنهبُ حياتَهم. وليس النّاسُ، اليومَ، أيضاً، بحاجةٍ الى إرشادٍ حولَ مفاهيمِ الشّرفِ، والعزّةِ، ومنظومةِ الكرامةِ الإنسانيّة، فهذه، كلُّها، راسخةٌ في جُبلتِهم، لأنها تمسُّ حياتَهم بالذّات، وهي أَسمى القِيَمِ التي يحضنُها الكيانُ البشريّ، فلا يَعلو عليها شيء.

إذا كانت الكرامةُ روحاً يتمرّدُ به الإنسان، فمن اللبنانيّين مَنْ يعزِمون، مع الكرامةِ، حتى على دخولِ النار، لأنّ بينَهم وبينَها إلفةً هي أقربُ الى النَّسَب. فالكرامةُ هي دفترُ عمرِ اللبنانيّ، وأنيسُهُ النَّديم، وعنوانُهُ ذو الطّابعِ المقدَّس، لذا، عليه أن يردَّ الحجرَ الذي شجَّ جبينَ كرامتِه، من حيثُ جاء. وليسَ السّبيلُ الى ذلك هو المَضِيَّ لِقَرعِ طبولِ الحرب، وتأجيجِ المواجهةِ العسكريّةِ التي رابِحُها خاسِر، فكيفَ الخاسِر. من هنا، فالدّخولُ في المواجهةِ، بعيداً عمّا يسبِّبُ للوطنِ خسائرَ فادحةً، يَكمنُ في النّضالِ الديمقراطيِّ الذي يبدأُ  بالاقتناع بأنّ الانتخابات لا بدَّ من أن تعكسَ، باستقامتِها وبالاندفاع إليها، لوحةً مشرقةً يُستَظَلُّ بفنائِها لإنجازِ استقلالٍ رابعٍ للوطن، هو جسرُ عبورٍ حتميٌّ من الجلجلةِ الى القيامة.

إنّ العلَّةَ، عندَنا، وبالرَّغمِ ممّا بلغَهُ لبنانُ، على مدى الزَّمن، في ميزانِ الحضارة، هي في تَوَزّعِ الانتماءات والولاءات، من طائفيّةٍ، ومذهبيّةٍ، وحزبيّةٍ، ومناطقيّةٍ، وعشائريّة…وذلك  على حسابِ الوفاءِ للوطن، أولاً. وهذه تشكلّ، وللأسف، العائقَ الأَبرزَ في وجهِ المناقبيّةِ الوطنيّةِ الصِّرف، ولا يعلو بناؤُها إلّا على أنقاضِ الوطنِ، وحُطامِه. فالمطلوبُ، إذاً، التمسّكُ بالالتزام الوطنيِّ، فهو، وحدَه، من سلالةِ الحقّ، وجرعةُ إنعاشٍ لنَبضِ القضيةِ النّبيلةِ التي كساها العنفوانُ عندما عَرِيَت، واستعادَها عندما انتُهِبَت. ولمّا كان الالتزام عظيمَ العصبيّةِ على قضيّتِهِ، فمن الطبيعيّ أن يكفلَها في كلِّ أحوالِها، وبروحٍ مُلتَهِب، من هنا، فالتّرجمةُ الوحيدةُ لهذا الإخلاصِ هو الاحتشاد للانتخابات التي يميلُ البعضُ الى اعتبارِها صُوَريّةً، وليس باستطاعتِها إلّا أن تُكَرِّرَ الواقعَ البغيضَ. وهذا الاعتقاد هو الضَّرَرُ بالذّات، أو هو الاستسلام من أُناسٍ لم يزرعِ الأملُ سنبلةً في قلوبِهم، ولم يُتقِنوا سوى مرثيّةٍ تذرفُ دموعاً مسفوحةً فوقَ خَدِّ الشَّوك، واليأس، والانهزامية.

إنّ الاستقلال الرّابعَ ليسَ مجرَّدَ أشواق، إنّه حنينٌ الى كلِّ حبَّةِ ترابٍ من الأرضِ المسلوبةِ كرامتُها، وهو نقيضُ الشّعورِ بالغربة، لأنّ الغربةَ تُحوِّلُ الوطنَ أطلالاً في البال، وهو قضيّةٌ ينبغي تشريفُها بنضالٍ ثابتٍ، وبحسٍّ ثَوريٍّ، بعدَ أن جعلَها البعضُ شَتاتاً. إنّ المواطنَ الجَلِيَّ الوجدان، يمكنُهُ أن يُطلِقَ، بالانتخابات، صرخةً تُرَعِّدُ مَنْ أكلوا لحمَ الوطن، واغتصبوا كرامتَه، وتُزَلزِلُ كيانَهم بشِعارِ أنّ الاستقلال الرّابعَ، وبالرَّغمِ من استقوائِهم المُصطَنَع، آتٍ، آتٍ، آتٍ…

خبر عاجل