مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بنسخته الأولى… “بيّضها”!

كتبت جوزفين حبشي من جدة في “المسيرة” – العدد 1724

لا، نحن لا نحلم، على رغم أن ما اختبرناه وشاهدناه بأم العين من 6 الى 15 كانون الأول 2021 أشبه بحلم، حوَّلته المملكة العربية السعودية واقعًا مذهلاً.

فكرنا أننا في مهرجان «كان» السينمائي، أو مهرجان برلين، أو البندقية… أيضًا لا، النجوم العالميون أمثال هيلاري سوانك وكليف أوين وكاثرين دونوف وناوومي كامبل وفنسان كاسيل ليسوا هذه المرة في حفل الأوسكار في هوليوود، بل هم في مدينة جِدَّة، عروس البحر الأحمر، التي لطالما قيل عنها إنها «غير»،  والتي أثبتت بشكل قاطع أنها «غير» باحتضانها أول مهرجان سينمائي دولي، يوازي بضخامته وجودة اختيارات أفلامه العالمية والعربية والسعودية وتنظيمه، أكبر وأعرق المهرجانات العالمية.

 

الحدث السعودي

مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي الذي شهد على مواكبة السعودية للتطوّر والانفتاح على مختلف الأصعدة، وخصوصًا الصعيد الثقافي الفني بعد أربعة أعوام على افتتاح أول دور سينما في المملكة، هو أول مهرجان سينمائي دولي في السعودية، وهو مبادرة غير ربحية أطلقتها وزارة الثقافة السعودية بهدف دعم قطاع الأفلام في المملكة وإثراء المحتوى السينمائي المحلي، وخلق سوق أفلام نشط يعزز حيوية المجتمع السعودي، وتشجيع فرص التبادل الثقافي بين دول العالم، ووضع منصة رائدة في عرض السينما السعودية والعربية والدولية.

والرائع أنه وقع الإختيار على منطقة جدة التاريخية  القديمة لتكون المقر الرئيسي للمهرجان، وهي موقع تراثي مسجل في قائمة التراث العالمي. وهكذا نجح المهرجان في إصابة عدة عصافير في حجر واحد: مواكبة الإنفتاح والتطور، والإضاءة على السينما وعلى الإرث التراثي الجميل الذي تحوّل بأزقته وساحاته وأبنيته الأثرية ملتقى لنشاطات المهرجان الفنية والتراثية والموسيقية، وحضناً لخمس صالات سينمائية تم إنشاؤها من أجل المهرجان، وإحداها هي الأكبر والأضخم والتي جرت داخلها كافة عروض السجادة الحمراء.

بين الصالات الخمس في جدة القديمة (البلد)، إضافة الى صالات «البحر الأحمر مول»، توزعت أفلام المهرجان التي بلغ عددها 138 فيلمًا طويلاً وقصيرًا من 67 بلدًا، منها 25 فيلماً في عرض عالمي أول، و48 فيلماً في أول عرض عربي، و17 فيلماً في عرضها الأول في منطقة الخليج. وتحوّلت السجادة الحمراء طيلة فترة المهرجان، إمتدادا لقطعة سماء مزدانة بنجوم تلمع وتبرق، وعلى سبيل الذكر لا الحصر كاترين دونوف وفنسان كاسيل ومدير مهرجان كان السينمائي تييري فريمو من فرنسا، والفائزة بالأوسكار هيلاري سوانك وكليف أوين من هوليوود، والعارضة العالمية ناوومي كمبل من بريطانيا، وليلى علوي ويسرا وهند صبري وإلهام شاهين وناديا الجندي ونيلي كريم ولبلبة وصفية العمري وبشرى والمخرج خيري بشارة من مصر، وظافر العابدين من تونس، وفادي أبي سمرا وبيتي توتل وشادي حداد ووسام بريدي وزوجته العارضة التونسية ريم السعيدي من لبنان، وباسل خياط من سوريا، وصبا مبارك من الأردن، والمخرج الفائز بجائزة غولدن غلوب هاني أبو أسعد من فلسطين، إضافة طبعًا لكافة صنّاع الأفلام من مخرجين ومنتجين وممثلين تواجدوا مع أفلامهم في مدينة جدة.

 

إفتتاح وختام

ضمَّ مهرجان البحر الأحمر في نسخته الأولى، مسابقة البحر الأحمر للأفلام الطويلة والقصيرة، وعروض السجادة الحمراء، والعروض الخاصة، واستضاف مجموعة من البرامج: «إختيارات عالمية»، و»سينما السعودية الجديدة»، و»كنوز البحر الأحمر»، و»روائع عربية»، و»روائع العالم»، و»جيل جديد»، إضافة إلى عروض «السينما التفاعلية»، و»حلقات البحر الأحمر». وتميّزت المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة والقصيرة بأهم الإبداعات السينمائية من آسيا وأفريقيا والعالم العربي، إذ عرض المهرجان 18 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة، و16 فيلماً في مسابقة الأفلام الطويلة، تنافست على جوائز «اليُسر». البداية كانت طبعًا مع إفتتاح المهرجان الذي شهد تكريم كل من الأيقونة الفرنسية كاثرين دونوف، والنجمة المصرية ليلى علوي وزير الثقافة الفرنسي السابق ورئيس معهد العالم العربي في باريس جاك لانغ، إضافة الى المخرجة السعودية هيفاء المنصور. وتُعد هيفاء المنصور من أبرز الأسماء في صناعة السينما العربية والسعودية. وكان فيلمها الطويل الأول «وجدة» عام 2012، أول فيلم روائي طويل يتم تصويره بالكامل في السعودية التي كانت تمنع صناعة وعرض الأفلام يومها، مما اجبرها على الإختباء داخل فان مجهّز بالكاميرات، لمتابعة الممثلين وإعطائهم التوجيهات. ونالت هيفاء المنصور عديداً من الترشيحات والجوائز حول العالم عن فيلم «وجدة» الذي عرض في بيروت عام 2012 ضمن إطار «أيام بيروت السينمائية»، ومنها جائزة الأكاديمية البريطانية «بافتا» لأفضل فيلم ناطق بغير الإنكليزية.

إشارة الى أن مهرجان البحر الأحمر السينمائي قدم سلسلة من الأنشطة والعروض والفعاليات لتمكين المرأة والإحتفال بدورها في صناعة السينما، وقدم جوائز تكريم لشخصيات نسائية، وندوات ومحاضرات تخصصية مع نجمات نذكر منهن ليلى علوي ويسرا. وكان ختام حفل الإفتتاح مسكاً موسيقياً ساحرًا، من خلال عرض  الفيلم الموسيقي العالمي  Cyrano للمخرج البريطاني جو رايت (مخرج أفلام شهيرة مثل Pride & Prejudice  و Anna Karenina و Atonement). بدوره ختام المهرجان كان مميزًا وعربيًا ليل 13 كانون الأول، مع عرض أول لفيلم المخرج المصري عمرو سلامة «برا المنهج» بطولة ماجد الكدواني وروبي والممثل الصغير عمر الشريف. وكانت نجمة MBC الإعلامية اللبنانية ريا أبي راشد قد قدمت حفل الختام بمشاركة الممثل والمذيع السعودي ياسر السقّاف.

 

لبنان إعداد ومشاركة

لبنان كان حاضرًا في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي مع خمسة أفلام، أربعة طويلة وواحد قصير هو «إمرأة من فضاء» للمخرج هادي موصللي. الأفلام الروائية الطويلة هي «دفاتر مايا» memory box للمخرجين الزوجين اللبنانيين جوانا حاجي توما وخليل جريج، الذي سبق أن شارك في مهرجان برلين السينمائي 2021 ضمن المسابقة الرسمية، و»بيروت هولدم» للمخرج ميشال كمون، و»البحر أمامكم» The Sea Ahead وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للمؤلف والمخرج اللبناني إيلي داغر الذي سبق وفاز بالسعفة الذهبية عن فيلمه التحريكي القصير «موج 98» في مهرجان كان السينمائي عام 2015، وأخيرًا Broken Keys  لجيمي كيروز. وباستثناء فيلم «دفاتر مايا»، شارك الممثل اللبناني فادي أبي سمرا في الأفلام اللبنانية الثلاثة الطويلة، إضافة لمشاركته في بطولة فيلم «شرف» للمخرج المصري سمير نصر ضمن المسابقة الرسمية، وهو مقتبس عن رواية للكاتب الكبير صنع الله إبراهيم الذي شارك نصر كتابة السيناريو، ويدور داخل سجن يشبه عالمنا العربي بكل ما فيه من فساد وظلم ورغبة بالثورة والتحرر.

ولن نخفي فخرنا نحن اللبنانيون بوجود شخصية لبنانية وراء نجاح جزء كبير من هذا المهرجان من حيث الإعداد والتنظيم واختيار الأفلام وإدارة الحوارات، إنه أنطوان خليفة مدير البرنامج العربي والكلاسيكيات في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وصاحب الخبرة الطويلة في عالم السينما وتنظيم المهرجانات العالمية والعربية منذ أكثر من 25 عامًا، مع مؤسسات مثل Unifrance وART ومهرجانات كان ودبي وغيرها.

 

جوائز لمستحقيها!

لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة كانت برئاسة جيوزبي تورناتوري، صانع فيلم Cinema Paradiso الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وبعضوية كل من النجمة المصرية التونسية هند صبري والمخرجة الفلسطينية الأميركية شيرين دعيبس ودانييلا ميشيل وعبد العزيز الشلاحي. وكان تورناتوري قد نوّه بمدى تنوّع المواهب والمواضيع المطروحة، وأكد  أنها «كانت تجربة إستثنائية، إذ شاهدنا أعمالاً مؤثرة وقوية وجريئة، مما يؤكد الزخم الذي تشهده السينما في العالم العربي وأفريقيا وآسيا، لذا كانت مهمتنا صعبة للغاية». فعلاً، المهمة كانت صعبة والنتيجة جاءت غير متوقعة لبعض الأفلام، وشكلت في أحيان كثيرة مفاجأة، خصوصا لجهة جوائز الأفلام الطويلة. نقول شكلت مفاجأة، خصوصًا مع حجب أي جائزة عن بعض الأفلام التي كانت تستحق الفوز، خصوصًا الفيلم المغربي «بين الأمواج» Life Suits Me Well للمخرج الهادي ولاد محند، وهو شريط إنساني مصوّر برقة وسحر كبيرين ويروي تكاتف أسرة متواضعة في مواجهة مرض الأب بالزهايمر. عدم فوز الفيلم بأي جائزة شكّل صدمة للكثيرين، وأنا أولهم، ولكن المخرج الهادي الذي روى من خلال هذا الفيلم تجربة أسرته الشخصية مع مرض والده ووفاته، قال بابتسامة: «بعض الأفلام في المهرجان تربح جائزة، وبعضها تربح المشاركة. ويكفيني فخرًا أن فيلمي ربح جائزة قلب كل من شاهده».

وتوالى على إعلان جوائز المهرجان كل من رئيسه محمد التركي والعارضة العالمية ناوومي كمبل ورئيسا لجنتا تحكيم الأفلام الطويلة والقصيرة، المخرجين الإيطالي جوزيبي تورناتوري والمصري مروان حامد، والنجوم يسرى وظافر العابدين وياسمين صبري وباسل خياط وغيرهم.

 

الأفلام الفائزة

– جائزة أفضل فيلم سعودي: فيلم «تمزق» للمخرج حمزة جمجوم.

– جائزة الجمهور:  فيلم «أنت تشبهني» للمخرجة دينا عامر، وتبلغ قيمتها (50 ألف دولار أميركي).

 

جوائز الأفلام الروائية الطويلة:

– جائزة «اليُسر» الذهبية لأفضل فيلم: «برايتن الرابع» للمخرج ليفان كوجواشفيلي.

– الجائزة الخاصة للجنة التحكيم: فيلم «على الطريق» للمخرج الإيراني  بناه بناهي.

– جائزة أفضل مخرج: العراقي حيدر رشيد عن فيلم «أوروبا».

– جائزة أفضل نص سينمائي: مانو خليل عن فيلم «جيران».

– جائزة أفضل ممثلة: أرويندا كرانا عن دورها في فيلم «يوني».

– جائزة أفضل ممثل: آدم علي عن دوره في فيلم «أوروبا».

– جائزة أفضل مساهمة سينمائية: المصور أمين جعفري عن فيلم «على الطريق».

– شهادة تقدير خاصة للمخرجة دارين سلام عن فيلم «فرحة».

 

جوائز الأفلام القصيرة:

-جائزة «اليُسر» الذهبية: فيلم «تالافيزيون» للمخرج مراد أبو عيشة.

 

مسابقة الأفلام التفاعلية:

–  جائزة «اليُسر» الذهبية: فيلم «نهاية الليل» للمخرج ديفيد أدلر.

–  جائزة «اليُسر» الفضية: فيلم «تناسخ» للمخرج سن شين وانغ.

وتجاوز إجمالي قيمة المنح للمشاريع المختارة في سوق البحر الأحمر الـ700 ألف دولار أميركي، بتمويلٍ من صندوق البحر الأحمر، ورعاة المهرجان.

 

دردشة مع خيري بشارة

على هامش المهرجان، كان لقاء ودردشة مع المخرج المصري الكبير خيري بشارة الذي عرض المهرجان فيلمه «حرب الفراولة» ضمن برنامج «كنوز البحر الأحمر» المخصص للإحتفاء بأفلام كلاسيكية حاصلة على جوائز، تركت بصمتها في ذاكرة المشاهدين، سواء كانت عربية أو عالمية، والتي تم عرضها لإعادة اكتشافها وتقديمها من جديد. وقد أطلعنا خيري بشارة أنه بصدد الإنتهاء من رواية كان قد بدأ يكتبها منذ أكثر من عامين، إلا أن إصابته بمرض السرطان وفترة علاجه أجبرتاه على التوقف لمدة. وها هو يستكملها، ويرفض أن يقدمها للسينما قبل أن تصدر ككتاب. هذه الرواية ستحمل عنوانا جذابًا وغريبًا هو «كونغ يونغ» Kong Young، وتدور أحداثها في ثلاثينات القرن الماضي، وتمتد على أكثر من 50 عامًا، وتنطلق مع شاب صيني سيقوم برحلة طويلة ستوصله الى مصر حيث سيستقر، فهل تتخيلون بطلاً صينيًا يتكلم المصرية؟ مع المخرج خيري بشارة، كل شيء ممكن ومقنع. أيضًا، فاجأنا خيري بشارة بفكرة وُلدت خلال مهرجان البحر الأحمر، وتحديدًا عند لقائه بالنجم ظافر العابدين وزوجته الإنكليزية صاحبة الصوت الجميل جدا. لقاء بشارة بظافر العابدين نتج عنه رغبة مشتركة بتقديم فيلم من نوع الميوزيكال، سيكون أيضًا لزوجة العابدين دور فيه كمغنية إنكليزية. ويبدو أن المنتجة التونسية الشهيرة درة بوشوشة (منتجة الفيلم الأول لظافر العابدين من حيث الإخراج وكتابة النص والمشاركة في الإنتاج «غدوة» في مهرجان البحر الأحمر)، تحمّست جدًا للفكرة وأبدت إستعدادها لإنتاج هكذا فيلم. ويبقى أن تولد الفكرة بعدما توافرت لها كافة العناصر، من مخرج وأبطال وإنتاج.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل