“بهالبلد كل شي بيصير”… طبخة دفن العدالة والديمقراطية على نار حامية

ربما تصدق النظرية القائلة إنه كلما ازداد عدد المسجلين خارج لبنان للانتخاب، كلما ازداد الخوف من عدم إجرائها. فعند كل منعطف سياسي، تعود أولويات كل طرف سياسي لتطفو على وجه بحور المقايضات الهائجة في بلد قرصنة الدستور وسيادة القانون.

ومع إطلاق السراح المشروط للعجلة الحكومية من قبل الثنائي الشيعي، بغض النظر عن أسبابه، وتعبيد الطريق لفتح دورة استثنائية لمجلس النواب، تهامس الإعلام بوادر صفقة جديدة بين “أولويتين”: “تمريقة” الدائرة 16 لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، أي حصر تصويت المغربين بـ6 نواب، مقابل فصل ملف ملاحقة الرؤساء والوزراء والنواب عن صلاحية المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار ويتم حصرها بالمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والنواب المنبثق عن مجلس النواب. وحديث رئيس الجمهورية ميشال عون وباسيل، أمام أهالي الموقوفين، يوم الإثنين، عن استنسابية بيطار والظلم الصادر عن القضاء، خير دليل على ذلك.

وبهذا يدفن التحقيق في أفظع الجرائم بحق بيروت وأهلها الى جانب ضحاياها، وهو أولوية الثنائي الذي دأب على محاولة “تطييره” منذ عشية المأساة ولم يوفر أي وسيلة للوصول إلى غايته، من الأدوات القانونية الدستورية فالإعلامية والسياسية حتى الميدانية منها.

بالتوازي، يحصد باسيل شرعية بتر يد المغتربين انتخابياً، في محاولة للتقليل من خسائره المرتقبة في أيار المقبل بعدما حاول عرقلة المسار الانتخابي بطرق جمة. إذ يُعتبر باسيل المتضرر الأكبر من الموجة التغييرية وبالتالي الخائف الأكبر من تصويت عقابي في الانتخابات المقبلة يجرده من أكثريته النيابية المسيحية التي طالما ارتكز عليها في معارك تحاصص جبنة المناصب.

بالأرقام، بلغ العدد الإجمالي للأشخاص المسجلين المرسلين من قبل وزارة الخارجية والمغتربين للمديرية العامة للأحوال الشخصية، أي الذين استوفوا الشروط للاقتراع في انتخابات ربيع 2022، 225 ألف و114 ناخباً مقابل أقل من 83 ألفاً في دورة العام 2018. حزب القوات اللبنانية، آنذاك، كان أكثر المستفيدين من أصوات الاغتراب متصدراً الأحزاب كافة. وما يزيد من مخاوف باسيل وتياره المتهالك، ازدياد نقمة الرأي العام المغترب عليه أكثر فأكثر نتيجة لما تكبده الانتشار من ضربات الانهيار باحتجاز أموالهم وجنى أعمارهم بالإضافة الى أفراد “موجة الهجرة الثالثة” أو “المهاجرون الجدد” إثر الانهيار الحالي الذين جُرّدوا من سنين شبابهم وسُحقت طموحاتهم حتى سلخوا عن ذوييهم.

وتطبيقاً لمقولة أن الاتفاق الجيد هو الاتفاق الذي يكون فيه كل الأطراف راضين، قد يجاري حزب الله طفله المدلل بمطلبه، إذ هو الآخر (الحزب) يخشى تعرض مناصريه للملاحقات القانونية إثر العقوبات المفروضة عليه في عشرات الدول كما يخاف خسارة “التيار” لأكثريته النيابية المسيحية وبالتالي فقدناه لغطائه المسيحي.

أما الأشد وقاحة، يتجلى بمزايدة باسيل، المعروف بديماغوجيته، وبأسلوب “تربيح الجميلة” للمغترب اللبناني بالنواب الست، يحاول التعمية على سلبهم حقهم باقتراع 128 نائباً. أما في السراي الكبير، تتبجح الحكومة بألسنة وزرائها بأنها سلطة تنفيذية وتنحصر مهامها بتطبيق القوانين الصادرة عن المجلس النيابي فقط، بمحاولة لرمي كرة النار في ساحة النجمة ريثما يتبلور الاتفاق السياسي.

وعلى الرغم من تأكيد الدستور اللبناني في مادته السابعة أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم”، وفيما تشير مادته الواحدة والعشرون الى أنه “لكل وطني لبناني بلغ من العمر احدى وعشرين سنة كاملة حق في أن يكون ناخباً على أن تتوفر فيه الشروط المطلوبة بمقتضى قانون الانتخاب”، ليس غريباً عن ثعالب المنظومة ضرب الأساسيات الحقوقية والركائز الدستورية، إذ يمهر تجار السياسة اللبنانية بحياكة البدع الدستورية والألاعيب القانونية.

بالمحصلة، طبخة صفقة دفن العدالة مقابل دفن الديمقراطية على نار حامية وتتردد في خلفية المشهد أغنية “بهالبلد كل شي بيصير” من مسرحية المحطة للأخوين رحباني، “بهالبلد كل شي بيصير البطاطا تصير محطة والتران يجي بلا خط”. ولا يستغرب شيء من ثلاثي التعطيل الذي امتهن تركيب “الطرابيش” وليس آخرها “court circuit” ثنائية لصلاحيات رئاستي الجمهورية والحكومة من خلال تحديد الجلسات الحكومية وبنودها. يبقى أن ما بني على باطل الهرطقات الدستورية، باطل حتماً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل