.jpg)
سيكون من السذاجة المفرطة استبعاد الربط بين إقدام الثنائي “أمل” و”حزب الله” على فعلته “الحسنة” بالرجوع عن أسوأ ما ارتكبه فريق سياسي متحكّم بالسلطة في هذه الظروف تحديداً، وبين الإجراءات التي اتخذت لخفض جنون الدولار الحارق في السوق السوداء وردّه الى بيت الطاعة ولو ظرفياً. بل لعلنا يمكن أن نجزم هنا بالتواطؤ الضمني في تزامن التطوّرين ولو أن ذلك أدّى الى تبريد اجتماعي بعد بلوغ خطر الانفجار في الشارع حدوداً متقدّمة للغاية. لا نسوق ذلك للإضاءة على سلوكيات سياسية تسلطية بات الكلام عليها مملاً ومقززاً لجهة العقم التام في كشفها وتشريحها بل للإضاءة على المكامن المتصلة بهواجس القوى السياسية حيال العدّ العكسي للانتخابات النيابية. ومن هنا يمكن نصح كلّ من لا يزال يتلهّى بالبحث عن سبب خفيّ لتراجع “الثنائي” عن شلّ مجلس الوزراء بالكفّ عن الذهاب أبعد من الحقائق المتصلة بالشارع الانتخابي في المقام الأول وبنسبة ساحقة. وليس الأمر متّصلاً بـ”الثنائي ” وحده لو لم يكن ارتكب معصية سياسية فاشلة إلّا من زيادة شهرة أحد ركنيه “حزب الله” في سياسات التعطيل “الرائدة” التي تمكّن من استجرار شريكته “أمل” إليها تحت وطأة المزايدات في البيت الواحد، إذ إن حسابات اللحظة الانتخابية هذه السنة، لا تشبهها أيّ مقارنة سابقة بصرف النظر عن عالم الإحصاءات واستطلاعات الرأي، موضوعية كانت أو موجّهة، الذي ستناوله لاحقاً في سياقات متصلة بالاستحقاق الانتخابي.
فعلى اللبنانيين أن يدركوا، إن فاتهم الإدراك، أن الأرق السياسي والحزبي، بات يشكّل للمرة الأولى عامل توحيد للقوى السياسية اللبنانية قاطبة عند نقطة تقاطع جوهرية كبرى هي كيف يمكن الجزم مسبقاً بنسبة المقترعين في يوم 15 أيار المقبل والأيام التي ستسبقه لاقتراع المغتربين؟
هذا السؤال الذي يقضّ مضاجع الحالمين بالانتصارات الانتخابية على كلّ الضفاف السياسية والحزبية، يختصر واقعياً مساراً يُفترض أن يؤدّي بعد انهيار تاريخي ضرب بلد الأرز وبلد الفرادة وبلد الحرّيات وبلد التنوّع وبلد التفوّق الى بداية نهوضه من الاندثار، وإلا فإنه ذاهب الى أسوأ ممّا حصل طوال السنوات الثلاث الأخيرة حصراً.
والحال أن خطر إطاحة الانتخابات بفعل أمني مدبّر أو باختلاق أزمات من نوع الحقارات التي تؤدّي الى التمديد لإحدى “أخطر” الطبقات السلطوية والسياسية، ولن نقول بعد اليوم أسوأ فحسب، سيوازي تماماً خطر أكبر نسبة مقاطعة أو استنكاف أو لامبالاة في أيّ انتخابات لبنانية منذ مقاطعة عام 1992.
هذه المرّة لبنان سيكون أمام “الخيار القاتل” فعلاً لأن عامل الإفقار والرفض التلقائي البديهي لممارسة الواجب الانتخابي سيشكّل أخطر العوامل في إعادة تعويم مجمل الطبقة السياسية والحزبية أو معظمها في ظلّ احتمال انحسار الكتلة الناخبة الى أرقام ضئيلة قياسية لا يفيد منها سوى الأحزاب وقلة من القوى المستقلة المقتدرة مالياً. ولا نغالي إن تخوّفنا منذ الآن من أن تنجح الفزاعات الدعائية التي تديرها غرف المتوجّسين من انقلاب ديموقراطي حقيقي قد تحمله الانتخابات من شأنه أن يطيح ميزان القوى الذي أدّى الى الانهيار والمسؤول الحصري عن هذا الانهيار، في بدء تكبير وتضخيم حالة مقاطعة واسعة للانتخابات تسقط هذا الهاجس، إذا تعذّرت إطاحتها وتأجيلها والتمديد تالياً للأكثرية الحالية على ركام سياسي.
تبعاً لذلك صرنا نزداد ريبة في “طقوس” النيّات الحسنة!
