“الثنائي الشيعي” يحدد للحكومة اللبنانية جدول أعمالها

بحجة الاستجابة لحاجات الناس، عاد الوزراء الشيعة عن قرار مقاطعتهم جلسات مجلس الوزراء اللبناني، القرار الذي أعلن في بيان مشترك لـ”حزب الله” وحركة “أمل”، أتى بعد ثلاثة أشهر على توقف جلسات الحكومة، فكان بمثابة أن يأتي أفضل من ألا يأتي نظراً لتفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية في لبنان.

في المقابل، رأى كثيرون في بيان “الثنائي الشيعي”، إشارات شكلت سابقة لم تحصل في لبنان، وأبرز هذه الإشارات ما وصفه كثيرون بالتعدي على صلاحيات رئيس الحكومة السني، بمجرد أن حدد “الثنائي” المواضيع التي يقبل أن يعود وزراؤهم إلى الحكومة لمناقشتها، والتي اقتصرت على موازنة 2022 وخطة التعافي الاقتصادية، وذلك وفق ما نص عليه بيان حركة “أمل” و”حزب الله”. فأتت الخطوة مخالفة للدستور الذي نص على أن مهمة تحديد جدول الأعمال لجلسات مجلس الوزراء هي منوطة حصراً برئيس الحكومة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية. بيان “الثنائي الشيعي” أحرج أيضاً رئيس الحكومة في عدم مراعاته حتى بالشكل، إذ تقصد الحزب والحركة أن يصدر قرار العودة عن مقاطعة الوزراء الشيعة من قبلهما وليس من قبل الوزراء المعنيين الذين لم يترك رئيس الحكومة نجيب ميقاتي فرصة إلا وأكد فيها استقلاليتهم.

انتقاد بيان “أمل” و”حزب الله” لم يقتصر على السنة، بل لفت موقف رئيس “التيار الوطني الحر”، أيضاً النائب جبران باسيل، وإن لأسباب مختلفة تتعلق برغبة باسيل بإدراج ملف التعيينات على جدول أعمال مجلس الوزراء بهدف تعيين مقربين منه في المراكز المسيحية الشاغرة قبل الانتخابات النيابية من جهة، وقبل انتهاء مدة ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون من جهة أخرى.

ميقاتي: رئيس الحكومة هو من يضع جدول الجلسات

لكل طرف الحق في قول ما يريده وفي تحديد ما يصبو إليه، لكن في النهاية تقول مصادر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لـ”اندبندنت عربية”، وحده رئيس الحكومة من يضع جدول أعمال جلسات مجلس الوزراء ويطلع رئيس الجمهورية عليه تطبيقاً للدستور، و”كل اجتهاد آخر هو في غير محله”، تضيف مصادر ميقاتي. لكن رئيس الحكومة صاحب سياسة تدوير الزوايا يؤكد أيضاً أنه في الوقت الحالي ليس الظرف ولا الوقت للدخول في سجالات أو مناكفات، إنما الأولوية هي لمعالجة مشاكل الناس وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والمالية، وتذكّر مصادر رئيس الحكومة بما قاله في بيانه الترحيبي بعودة وزراء “أمل” و”حزب الله” عندما دعا الجميع إلى التعاون وتهيئة الظروف لمعالجة القضايا الملحة، وتتجنب مصادر ميقاتي الرد على عدم مراعاة رئيس الحكومة في الشكل عبر إصدار بيان حزبي مشترك باسم الوزراء الذين كان يفترض أن يكونوا “تكنوقراطاً”، كما وصفهم ميقاتي، لكنها في المقابل لا تخفي امتعاضها من المطالبين بطرح ملف التعيينات، وفي مقدمهم رئيس “التيار الوطني الحر”، وتؤكد مصادر ميقاتي أن التعيينات ذات الطابع السياسي على مشارف مرحلة الانتخابات النيابية هي ليست أولوية، أما التعيينات ذات الطابع الملح كتعيين أعضاء جدد لهيئة الإشراف على الانتخابات فهذه بالطبع ستطرح على طاولة مجلس الوزراء.

“حزب الله” حريص على تطبيق الدستور

في المقابل، يرفض كل من “حزب الله” وحركة “أمل” اتهامهما بتحديد جدول أعمال مجلس الوزراء نيابة عن رئيس الحكومة، مصادر مقربة من الحزب والحركة تؤكد لـ”اندبندنت عربية” أنهما حريصان على الدستور لناحية صلاحيات رئيس الحكومة وأيضاً رئيس الجمهورية وكل ما في الأمر أنهما أعلنا أولوية الموازنة وقضايا الناس لكنهما لم يحددا جدول الأعمال، أما أي كلام غير ذلك، فهو بهدف اللعب على الوتر الطائفي لا أكثر ولا أقل ومرفوض من قبل الحزب والحركة. وتؤكد مصادر “الثنائي” أن البيان المشترك كان واضحاً لجهة استعداد الوزراء الشيعة لمناقشة كل المواضيع المرتبطة بتحسين الوضع المعيشي والحياتي للبنانيين، بما فيها المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وسبق وذكرت “اندبندنت عربية” أن ميقاتي أبلغ المعاون السياسي لـ”حزب الله” بالشروط التي حددها صندوق النقد لجهة رفض الاستمرار بأي مفاوضات قبل إنهاء مشروع موازنة 2022 .

لغم “حزب الله”

وأكد مصدر حكومي سابق لـ”اندبندنت عربية” أن بيان “حزب الله” و”أمل”، وما تضمنه لجهة تحديد المواضيع التي يسمح بمناقشتها حصرياً على طاولة مجلس الوزراء هو سابقة خطيرة ومخالفة واضحة لاتفاق الطائف، في المقابل، أكد الكاتب والناشط السياسي أحمد الأيوبي أن اللافت في المشهد السياسي الطاغي أن تناسل الأزمات أنسى الرأي العام والناس حقيقة أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، هي حكومة الأغلبية السياسية التي تشهد كل هذه الانقسامات، وشكلها “حزب الله” وحليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري، مع الرئيس ميشال عون وصهره النائب جبران باسيل، وتابع أيوبي متهكماً، “ذهب الذهول السياسي للبعض إلى التفكير للحظات تخلٍّ عابرة، أن الحكومة فيها نبض من حيوية ولديها هامش مناورة بالحد الأدنى من متطلبات الحكم، لكن الوقائع تتابعت لتؤكد أن هذه حكومة “حزب الله” وأغلبيته السياسية الموسومة بالارتباط بالقرار الإيراني خارجياً، وبالخضوع لمعادلات الصفقات والفساد داخلي”، وبحسب الأيوبي، أسوأ ما في هذا المشهد هو تدشين “الثنائي الشيعي” حملة دعاية وهمية تحاول أن تقنع اللبنانيين أن “حزب الله” وحركة “أمل”، اتخذا قرار العودة المشروطة إلى الحكومة، “حتى لا يحملنا أحد المسؤولية عن تعطيل البلد”، على حد تعبير النائب حسن فضل الله.

غير أن اللغم أعلن عن توقيته النائب قاسم هاشم الذي قال بوضوح، إن “العودة إلى مجلس الوزراء محصورة بالموازنة، ونحن في انتظار أن تُفتح أبواب الموازنة ليتبين لنا أين تكمن بنود الخلل وإمكانية التعاطي معها بنوايا إصلاحية على كل المستويات”، وهذا الخطاب بحسب وصف الأيوبي، يكشف “مستوى الوقاحة في خطاب فريق أعلن على الملأ مراراً وتكراراً أنه يعمل على تعطيل البلد لـ’قبع’ القاضي طارق البيطار، وكاد يتسبب في حرب أهلية مصغرة في الطيونة – عين الرمانة”.

“حزب الله” يتلاعب بالدستور

وبحسب الكاتب والناشط السياسي الأيوبي، فإن “مقاطعة جلسات الحكومة غير مبررة لا من الناحية الدستورية ولا من الناحية القانونية، وكل ما يتفرع عنها غير قانوني وغير دستوري، وبالتالي، فإن الرجوع إلى الحكومة تحت شروط معينة، يؤكد التلاعب بالدستور، ومن يقومون بهذه الهرطقات ما زالوا يتحركون في مروحة المخالفات الدستورية”، ومن هذه النقطة، تابع الأيوبي أن النقطة الأكثر حساسية في هذا الموقف، هي ضرب صلاحيات رئاسة الحكومة، باعتبار أن رئيس مجلس الوزراء هو الذي يضع جدول الأعمال، ومن الناحية العملية، فقد قام الثنائي “حزب الله” وحركة “أمل” بتحديد هذا الجدول: مناقشة الموازنة، والخطة المسماة خطة التعافي الاقتصادي، أما التعيينات فهي ممنوعة، وبخاصة لمنع تعيين عضو بديل عن العضو الذي أحيل على التقاعد من الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وبالتالي الاستمرار في تعطيل عمل القاضي طارق البيطار في ما خص تحقيقات انفجار مرفأ بيروت، وبحسب الأيوبي، فإن العمل الحكومي هو كل لا يتجزأ، وهو غير قابل للتجزئة لا في السياسة ولا في القانون، ولا يمكن قبول مشاركة الوزراء في أعمال معينة والامتناع عن العمل الحكومي في ملفات أخرى، لأن عمل الحكومة هو واجب، وليس عملاً انتقائياً، يخضع لمزاج الأطراف السياسية في ظل اختلافها وتنازعها وعدم اتفاقها على أي ملف مطروح، والحكومة عندما ارتضت لنفسها أن تتشكل، كانت تعرف لماذا نشأت وماذا عليها أن تفعل، وماذا لديها على جدول أعمالها (بيانها الوزاري) حتى نالت الثقة من مجلس النواب، وحتى الآن لم يتحقق منه شيء، بل على العكس، صدر من بعض وزرائها مواقف أساءت لعلاقات لبنان العربية، كما كانت الحال مع وزير الإعلام المستقيل جورج قرداحي، الذي افتتح حملات الإساءة لمحيطنا العربي، ليقع البلد في مزيد من التدهور الاقتصادي مع قطع دول الخليج علاقاتها الاقتصادية مع لبنان.

أين أصبحت استقلالية الوزراء؟

وفي وقت يؤكد الثنائي “أمل” و”حزب الله” أن الأولوية هي لمعالجة قضايا الناس بدءاً من الموازنة وخطة التعافي الاقتصادية، يسأل الأيوبي، “هل المطلوب من الحكومة فقط دراسة وإقرار الموازنة، أم أنه مطلوب منها معالجة ملفات الأمن وحاجات القوى العسكرية، وشؤون الصحة مع تعرض العالم للمزيد من متحورات كورونا مع وصول المستشفيات إلى حالة العجز عن استقبال المرضى”، متسائلاً: ما هذا العمل الحكومي المرهون لقرارات ومصالح ثنائي يعلن صراحة عن ولائه للنظام الإيراني، فأين أصبحت دعاوى الاختصاص والاستقلالية للوزراء بعد أن أثبتت الأحداث أن كل واحد منهم مرهون للأحزاب المكونة للحكومة.

ومستذكراً الأزمة مع دول الخليج وما تركته من تداعيات على الاقتصاد اللبناني، أكد الأيوبي أنه من واجب الحكومة الآن إعادة الاعتبار إلى علاقات لبنان العربية الطبيعية، وإعادته إلى خريطة الاهتمام العربية بعد أن أصبح مطروداً منها، وخاضعاً للمقاطعة والنبذ والاتهام بالإرهاب، مشدداً على أنه لا يمكن استكمال أي موازنة للحكومة من دون استعادة علاقات لبنان العربية، والخليجية منها تحديداً، لأن استمرار منع تصدير المنتجات اللبنانية إلى السعودية وعدد من دول الخليج، يحرم لبنان من موارد مالية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وهي تعتبر من مقوِّمات الاقتصاد اللبناني، إضافة إلى ضرورة استعادة السياحة العربية التي تعتبر أحد أعمدة اقتصادنا الوطني، فكيف يمكن الحديث عن موازنة ولبنان محروم من نافذة تصديره الأهم ومن سياحته الرائدة؟

خلاصة الموقف، يختم الأيوبي، هي أن الرئيس ميقاتي ارتضى العمل الحكومي مجزأً، وتنازل عن واحدة من أهم صلاحياته، وهذه خطيئة تضاف إلى تنازلات سبقه إليها من كان قبله، وهذا يؤكد أن تحالف السلطة القائم متفق على التعاون في ما بينه لإبقاء الشعب في الكارثة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل