هل كلنا للوطن؟

لمّا كان الوطنُ، للبعضِ، مصباحاً في دروبِ الظّلمة، جايَلَ الزّمنَ، لكنّ الزّمنَ جَمَدَ فيه لأنه حَقَدَ على مَنْ ساهمَ في تضييعِ حقيقتِه، وجعلَه يرزحُ تحت ركامِ الغُبار، تطلَّعَ البعضُ النقيُّ الى وثبةٍ طليعيّةٍ تشكّلُ طفرةً واعدةً بالأفضلِ، تمنّى الوطنُ لها الوصول.

إنّ صرخةَ استعادةِ الوطن، وإِنْ مرهَقة، ينبغي أن تُمَهَّدَ لها قابليّةٌ أكثَرَويّة، لأنها، وحدَها، تكتبُ فَرقاً يرمي الى تَذَكّرِ العودةِ للأصولِ الوطنيّة، كما يتذكّرُ الدَّمُ العودةَ الى القلبِ بعدَ تَنَقّلِهِ في الشّرايينِ والأوردة. وفي تلكَ العودةِ، يكتملُ سِفرُ لبنانَ عِرقاً نورانيّاً، ومجداً غيرَ مُتَخَفٍّ خلفَ حجاب، وفرحاً غيرَ مُهتَزّ، وأعجوبةَ كيانٍ باقٍ في شكلٍ يعصى على العَتم، وعِشقاً لا مسافاتٍ له كانصبابِ الشلّالِ من عَلُ.

والغريبُ، في مسألةِ العلاقةِ بالوطن، أن يُبادَرَ الى السؤال: هل يطمئِنُّ الوطنُ الى كلِّ المنتسِبينَ إليه؟ وهل يعتبرُ كلُّ هذا الكلِّ، الوطنَ مندوبَ النّورِ إلينا، وله، في القلوبِ، مقامٌ مرموق؟

إنّ سراجَ الولاءِ، كسراجِ الحبّ، لا يُضاءُ إلّا بزيتِ القلوب، وإنّ إثباتَ وجودِ الحبِّ والولاءِ هيِّنٌ كإثباتِ عطرِ الأزاهير. من هنا، فخصوبةُ الولاءِ للوطنِ ليست بحاجةٍ الى برهان، ولا يمكنُ، في المقابلِ، نجاحُ فرضِ الإقرارِ بوجودِها، إنْ لم تكنْ موجودة. والولاءُ جذعٌ مشدودٌ الى أرض، وإِلفٌ للصّدق، وهمسةُ ارتياحٍ لا تهدأ، وانتصارٌ للوجودِ على الإعدام، وسحرٌ حقيقتُهُ ليسَت طلاسم.

عندما يطلبُ الوطنُ ولاءً، فهذا حقُّه، لأنّه معجمُ التطلّعِ صوبَ الأرقى، والنّهوضِ الى الاستقرار، كما يرفضُ الوطنُ أن يكون الولاءُ زواجَ نِفاقٍ، ومراوغة، ينتفي، معه، أيُّ أملٍ بغدٍ أفضل. فالولاءُ أساسٌ في عمقِ العلاقةِ مع الوطن، يؤلِّفُ نظاماً كاملاً له أُسُسُهُ، ودعائمُه، وهو مرتبطٌ، عضويّاً، بِقَدَرِ الوطنِ والمواطنِ، بالسّواء، لأنه إيديولوجيّةُ التّفاعلِ الحميمِ بينهما، والقيمةُ الواحدةُ لازدهارِ موسمِ الوجودِ الرّاسخِ للوطن.

لم يكنِ الوطنُ، على الإطلاق، يجوِّدُ ولاءً مهموساً يخفي ما وراءَه من أَلغام، لكنّه رسمَ صورةً عريضةً لحالِ الولاءِ، وانتخبَ ما عَبَّرَ به عنها، في تنشئةٍ لها دورٌ ناظمٌ لعلاقةِ الفردِ بالوطن، ولمسلكيّتِهِ المتوافقةِ مع المصلحةِ العموميّة، وصولاً الى شيءٍ من التّلاحمِ، أو الحلوليّةِ التي يُصبحُ الوطنُ، بها، هو الأَطبَعَ في النّفوس. فالمواطنُ يرصِّعُ حَرَمَ وجودِه بالولاء، عندما ينتقلُ به من فكرةٍ الى سلوك، ولا يستطيبُ السُّكنى إلّا معه، لأنه يحملُ مشروعَ الإحساسِ بالأمانِ، وبالهويّة.

واستناداً، هل يمكنُ إسقاطُ صفةِ المواطنةِ على جميعِ المنتسبين الى لبنان، وبينهم، بالتّأكيد، مَنْ ولاؤُهم مادةٌ لا تزالُ رَخوةً، وسلوكُهم خانَ الوطنيّةَ بِغِيٍّ مُشبَعٍ بالعداءِ، وبإعلانِ أنّ الوطنَ، عندَهم، خرافةٌ ساقطة ؟ من هنا، لا بدَّ من نبرةٍ تُطلِقُ للحقيقةِ جناحَيها، وتكشفُ عمَّن استبدلوا الوفاءَ بالخيانة، وانقلبوا على الكيانِ بالدّفاعِ عن سيادةِ سِواه، ومزّقوا نشيدَه بشهوات لا تليقُ بها طقوسُ الأناشيد. إنّ المنقلِبينَ على الوطن، قد استتروا بجلودِ الحِملانِ على قلوبِ الذّئاب، ورثَّت حِبالُ القِيَمِ الوطنيّةِ في نزعاتِهم، وأَذِنوا للنُّوَبِ بأن تَصعَقَ الوطن، وتُعمِّقَ الصُّدوعَ في مَنْ تَغلغَلَ الولاءُ في مسالكِ أعصابِهم، ليُسَلّموا بانتدابٍ يسحقُهم، ويقضي على لبنان.

إنّ نظرةً الى ماضي لبنانَ تُبيِّنُ أنّه واجهَ، ولمرّاتٍ عديدة، انقلاباتٍ، وانتدابات، وتدخّلاتٍ من خارج، ووصاياتٍ، كادَ بعضُها، وبوحشيّةٍ ترهيبيّة، أن ينجحَ في تدميرِ كيانِه، وتشويهِ تاريخِه، وفَرضِ حالةٍ هجينةٍ على أهلِه. نعم، كلُّ ذلك كادَ يحصلُ لولا صمودُ العاصينَ على التّدجين، أولئك الذين انخرطوا في مواجهةٍ مُشَرِّفة، وعبروا بالوطنِ الى الحريّة، والحقِّ بالوجودِ السيّد، وسطّروا، بدمائِهم، خارطةَ الخلاص.

من البديهيِّ القَولُ بأنّ التاريخَ يُعيدُ نفسَه، مؤامراتٍ، وعَمالةً من بلديّين، ونوايا مُبَيَّتةً، ومشاريعَ تفتيتيّةً وانقلابيّة، وكذلك، في المقابل، مزاجاً عنفوانيّاً إنتفاضويّاً، رافضاً الخنوعَ والخضوع، مسلَّحاً بشعورٍ وطنيٍّ تستنهضُه روحُ الثورة، في مواجهةٍ طليعيّةٍ تؤكّدُ على أنّ هدمَ بنيانِ هذا الوطنِ صَعب. ولكنّ القَصدَ من المواجهةِ لن يكون انغماساً في حربٍ، أو في فتنةٍ مدمِّرة، ورجاؤُنا ألّا نُستَدرجَ، بالرَّغمِ منّا، الى الدّمِ من جديد، فالخاسرُ الأَوحدُ، في ذلك، هو لبنان. والقَصدُ، هنا، هو واجبُ الذّهابِ الى الانتخابات، وهي آليّةُ الديمقراطيّة، لإنتاجِ سلطةٍ تصونُ السيادةَ، وحقوقَ الناس، وتحترمُ الحريّات، وتُعيدُ الوطنَ الى مَسارِهِ الحضاريِّ… ولن يكونَ ذلك مُمكِناً إلّا بشَرطَين: أن نتهافتَ بكثرةٍ الى صناديقِ الاقتراع، وبدونِ تقاعس، وأن

نُحسنَ اختيارَ ممثِّلينا في النّدوةِ التّشريعيّة، أولئكَ المؤمنينَ بالوطنِ مجتمعَ حريّةٍ، وعدالةٍ، وسلامٍ، واستقرار، ويُنشِدون، غَيباً، وبدونِ أغلاط، ” كلُّنا للوطن “.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل