التعميم 161… إلى أين؟

انحبست الأنفاس انتظاراً لمشروع موازنة 2022 لمعرفة السكة التي ستسيّر الطبقة السياسية قطار الإنقاذ الاقتصادي والمالي، فكان المشروع المؤلف من 1282 صفحة مدجّجاً بأرقام مهما اختلفت القراءات حولها، سيخضع لمقصلة مجلس النواب قبل إقراره… كما سيُشرَّح على طاولة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي ستبدأ الإثنين المقبل، إذ أجمع المراقبون على أنه كان الأجدى بصياغة مشروع الموازنة عقب تلك المفاوضات وليس العكس. لكن في لبنان، لم يعد للقاعدة أي حساب، وبات الاستثناء سيّد القرارات والمشاريع.

بما أن الموازنة هي لتأمين التوازن بين المداخيل والنفقات، وبالتالي لن تُفسِد في “وِدّ” السياسة النقدية أي قضية، بات سعر الصرف الشغل الشاغل لحركة البلاد، رسمياً وشعبياً، على وقع تطبيق تعميم مصرف لبنان الرقم 161 وتعديلاته إثر اجتماع السراي الحكومي في 11 الحالي، ما سمح للبنك المركزي بِضخّ دولارات إضافية، لن يتمكّن من استرجاعها، وتكوين كتلة نقدية بالليرة لا نعلم كيف سيتم تشغيلها! فبعد تاريخ 11 كانون الثاني الحالي ارتفع حجم التداول على منصّة “صيرفة” حوالي 25 إلى 30 مليون دولار يومياً، بعدما كان يقتصر على 4 أو 5 ملايين دولار.

وبعد سحب الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية من السوق تتساءل أوساط مراقبة عما إذا كانت ستذهب لتغطية الزيادات الملحوظة في مشروع موازنة 2022 على الرواتب والأجور وبدلات النقل.

الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي يستبعد ذلك، ويرى في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن هذه الكتلة تُستخدم للمضاربات فقط، فيما تغطية الزيادات الملحوظة في مشروع الموازنة فسيتم تأمينها عبر طبع مزيد من العملة اللبنانية ما يؤدّي إلى ارتفاع نسبة التضخم، فنصل بالتالي إلى النتيجة التي أوصلتنا إليها سلسلة الرتب والرواتب، حيث يُعطى المواطن زيادة في اليد اليُمنى لتُؤخذ منه في اليد اليُسرى.

ويُضيف شارحاً “عندما ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء، كان حاكم مصرف لبنان يبيع الليرة اللبنانية، وعندما خفض سعر الصرف يكون في هذه العملية يسترجع الليرات التي سبق وضخّها في السوق في إطار عمليات المضاربة… وبالتالي لا يمكن القول إن موازنة الـ2022 ستغطي النفقات من الكتلة النقدية بالليرة التي كوّنها مصرف لبنان بفعل التعميم 161 وتعديلاته”.

ويرى أن “أي تصحيح في الأكلاف الواردة ضمن الموازنة العامة، سيُترجم ضخّاً لتريليونات إضافية من الليرة اللبنانية، وتكبيراً إضافياً في حجم الكتلة النقدية بالليرة، وتراجعاً إضافياً لاحتياطي مصرف لبنان بالعملة الأجنبية. كل ذلك يؤثر سلباً على سعر صرف الليرة”.

وعن الكمية المتبقة من الاحتياطي لدى البنك المركزي يقول، هذه المليارات المعدودة تكفي لهذه السنة فقط وعندها يبدأ المَسّ بالذهب. لن يبقى شيء من الاحتياطي بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، لأنه مع انخفاض سعر صرف الدولار ستُمتَص العملة الخضراء بشكل كامل، عندها من المستحيل أن يتمكّن البنك المركزي من المحافظة عليها كون الطلب على الدولار سيعود بقوّة، وبذلك يعود إلى عملية تثبيت سعر الصرف. فهل يستطيع ذلك في ظل هذا الوضع المشلول ومع المليارات المعدودة المتبقية في الاحتياطي الأجنبي والبالغة نحو 5 أو 6 مليارات؟

ويرى يشوعي أن القوى الحالية “ليست للحل ولا للإصلاحات ولا لإنقاذ لبنان، بل مثابة جماعة ترقيع تجنّب المُرتكبين أي تهمة، ولا تريد التطرّق ولا بأي شكل من الأشكال إلى الأموال المنهوبة. إنما تفضّل إلقاء كامل الحِمِل على المودِع وعدم المَسّ بالمسؤولين عن الأموال المَنهوبة”.

في خلاصة الأمر، تدفع هذه الوقائع إلى ضرورة العودة إلى أصل الأزمة المتمثل في شَحّ السيولة بالعملات الأجنبية في الاقتصاد اللبناني، ثم التراجع الحاد في تدفق رؤوس الأموال بدءاً من أيلول 2019 وتوقّفه شبه الكامل بدءاً من آذار 2020.

من هنا، ولو سلّمنا جدلاً بأن تحسّن سعر صرف الليرة اللبنانية عامل إيجابي للاقتصاد ولمعيشة المواطن، لكنه يبقى حلاً موقتاً، كون الحل الجذري يكمن في المباشرة سريعاً بالإصلاحات المطلوبة وانتظام عمل المؤسسات والحركة الاقتصادية، وإقرار آلية لتوحيد أسعار الصرف، ثم إعادة تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان، والتوصُّل إلى اتفاق تمويلي إصلاحي مع صندوق النقد الدولي يمهّد للاستفادة من أموال “سيدر”.

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل