.jpg)
عندما يفرشُ سلطانُ الهجرةِ بساطَهُ، ليغتالَ حضورَ الناسِ بين أهلِهم، ودوامَ وجودِ اللبنانيّينَ في أرضِهم، فهذا أَدهى ما توصَفُ به المؤامرةُ لتغييرِ حيثيّةِ الديموغرافيا الوطنيّة، وتالياً، لاستحضارِ أنموذجٍ غريبٍ يصادرُ هيئةَ البلد، ويسحقُ كيانَه، وينقلُ الوطنَ، أرضاً وشعباً وسلطةً، الى تحتِ مظلّةٍ إنتدابيّةٍ مُمَدمَكةٍ بقوّةِ السلاح.
لقد طالَت مواسمُ الرّحيل، وقد ساهمَ، في تنشيطِها، بَلَديّون في السّلطةِ وفي خارجِها، وكذلك، طارئون أَغرابٌ يَبَّسوا الأملَ بتغييرٍ مَرجُوّ، ما أصابَ الوطنَ بنكبةٍ أليمة. إنّ كثيرينَ من اللبنانيّين، اليوم، يَعبُرون، وللأسف، زمنَ تراجيديا الوطن، بالمعنى الوضعيّ لهذا التّعبير، أي انتقال البلدِ الى تذكرةٍ في بال، مُحاطَةٍ بالألمِ والخيبة، وذلك على أنقاضِ الرّابطِ الوجدانيّ، والتّاريخ، والتّضحيات، والثّقة. وليس غريباً ما يُتقنُهُ، في هذا المجال، أولياءُ الشّأنِ، عندَنا، من تهشيمٍ لمفهومِ العلاقةِ بين المواطنِ وأرضِه، ومن ترويجٍ لسلوكِ القهرِ، والتنكّرِ للحقوق، ومن طَعنٍ لقِيَمِ الحريّة، والمواطَنة، ما يُرسي، في النّفوسِ، سخطاً وإحباطاً، وفي العقول، اقتناعاً راسِخاً بالهجرة.
أمّا ناحِرو الهويّةِ من الوافِدينَ وتُبّاعِهم المُرتَهَنين، فما وفّروا أسلوباً لبَثِّ إيديولوجيّةٍ هجينةٍ مُضلِّلَة، بدافعِ الحقدِ، والتّوتير، ولترويجِ فكرٍ مستَورَدٍ لا علاقةَ له بلَونِ لبنانَ وبطَعمِه. وقد دعموا هذ التآمرَ بترهيبٍ موصوف، وبقَضمٍ للمناطقِ مُستَنكَر، ما فكَّكَ رجاءَ النّاسِ بدولةٍ سيّدةٍ تحافظُ على كيانِها، وعلى كرامةِ أهلِها، وما حتَّمَ زعزعةَ الوثوقِ بالمستقبل، والإسراعَ في تبنّي قرارِ الرّحيلِ في ظلِّ يأسٍ عارم، وخوفٍ أكيد.
إنّ ما يُدمي هو ألّا يعودَ الوطنُ يعني، لبعضِ المُغادرين، سوى ذكرى في المناسبات، وأن يكرِّروا آلياً، نشيدَهم الوطنيّ، وبشكلٍ فاقِدِ الرمزيّة، هذا إِنْ لم يستعيضوا عنه بغيرِهِ من أناشيدِ البلدانِ التي حَلّوا فيها. وهؤلاءِ، أو أَغلبُهم، أُرغِموا على اعتبارِ لبنانَ مساحةً نفخَ فيها الشيطان، وعَمِلَ حاكموهُ والمُستَورَدون على تفكيكِ نسيجِه الأَهليّ، بممارساتٍ فاسدةٍ، وتضليليّةٍ، ما شلَّعَ الشَّعبَ، وقَهَرَهُ، وأَفقرَه، وأغرقَهُ بعِلَلٍ ينوءُ تحتَ ثِقَلِها، وأزهقَ في روحِهِ الثّباتَ حيثُ هو، فتزعزعَت قدرتُه على الاحتمال، ولم يعدْ لديهِ سوى الرّضوخِ للرّحيل.
هذا الواقعُ الموبوءُ فرضَهُ برابرةُ الزّمنِ الرّديء، هؤلاءِ المأجورونَ الذين نأَت عنهم كلُّ الفضائلِ الوطنيّة، والإنسانيّة. ولمّا كان معيارُ الالتزام بالحسِّ الأخلاقيّ يَتَمَظهَرُ في السلوكِ، فلم يترجمْ سلوكُهم إلّا الانحراف عن الانتماء الى الوطن، ليمحضوا ولاءَهم لبلدانِ ما وراء الحدود، وهو سلوكٌ مُلتَوٍ صدَّعَ مكوّناتِ الدولةِ، وهدمَ أُسسَ المنظومةِ الوطنيّة، وشوَّهَ صورةَ لبنان، وانقلبَ على الكيانِ الجامِع، وشهرَ السمَّ في وجهِ ثوابتِ الحقِّ، والعدلِ، والحريّة.
لقد شُدَّ الخناقُ على أبناءِ الوطن، وتعَمَّدَ الخانِقون ذلك، ليصلَ المطافُ بالمقهورين لِنَقلِ إقاماتِهم الى حيثُ يعوِّضونَ على ذواتِهم ما لم يُسمَحْ لهم أن يحقّقوه في ديارِهم، وهكذا، تمَّ إفراغُ البلدِ من طاقاتِهِ المثقَّفة، والشابّة، ومن ثروتِهِ الإنسانيّةِ الرّاقية، ومن سواعدِ بنيهِ المُنتِجة، ليصبحَ لبنانُ وطناً هَرِماً، مَشدوداً الى واقعٍ مرير، والى انهيارٍ مُتَفاقِمٍ على المستوياتِ كافةً. إنّ توصيفَ الوضعَ القائمَ ليسَ شرحاً ميدانيّاً لحالةٍ يُرثى لها، فقط، بِقَدرِ ما هو إنذارٌ شديدُ اللَّهجةِ، إنْ للمسؤولينَ الذين يلَفِّقون الوعودَ، وهم حَجَرِيّون طَلَّقَتهم الضّمائر، وإنْ للمُتَبَقّينَ من بعضِ السياسيّين ليُقلِعوا عن الخطاباتِ الخشبيّة، ويبادروا الى تحرّكٍ مُجدٍ لمساعدةِ النّاسِ على البقاء، وإرجاءِ قرارِ الرّحيل، حتى لا يستمرَّ موسمُ الوداعِ أكثرَ المواسمِ ازدهاراً في لبنان.
إنّ مسألةَ التّهجير، ولا أقولُ الهجرة، يُسخِّرُ لها المتآمرونَ على الوطن، أساليبَ مُمَنهَجةً، وحِيَلاً مختلفة،
أبرزُها الإمساكُ بالوضعَينِ النَّقديّ والاقتصادي، ما أدّى، واقعيّاً، الى إفقارٍ مأسَويٍّ لغالبيّةِ الناس، والى تحجيمٍ قاتلٍ لقدراتِهم المعيشيّة. ولأوّلِ مرةٍ في تاريخِ لبنانَ، بعدَ زمنِ المجاعةِ في الحربِ الأولى، نرى مشهدَ أطفالٍ أو كِبارٍ في السنّ، يفتّشون، عمّا يضعونَه تحتَ أضراسِهم، في مجمَّعاتِ النفايات. وذلك، ما يَندى له جبينُ الكرامةِ الإنسانيّة، ويتدحرجُ، قُبالتَهُ، كلُّ كِبَرٍ خُلُقيّ.
ينقسمُ اللبنانيّون، حاليّاً، بين مَنْ يتوفَّرُ لهم الانتقال الى دُوَلٍ أخرى، وبينَ مُعدَمين يعضُّهم الجوعُ، وينتظرونَ رحمةَ السّماء. والنتيجةُ الكارثيّةُ تكمنُ في تفريغِ البلادِ باتّجاهَين: صوبَ البلدانِ القريبةِ والبعيدة، حيثُ احترامُ كرامةِ الإنسانِ لا يشوبُها التّشويش، وصوبَ ملكوتِ الله، حيثُ الرّاحةُ الأبدية. وفي الصَّوبَينِ خسارةٌ فادحةٌ لا تُعَوَّض، ما يطرحُ السؤال: في موسمِ الجوعِ المُتَسارِع، هل يجوعُ لبنانُ الى أهلِه؟