موازنة “خفق وشو ما كان” على دولار منصة “مشقلب”

لا يبدو مشروع موازنة العام 2022 الذي أعدَّته الحكومة وبدأت بمناقشته بعد استئناف جلسات مجلس الوزراء، مختلفاً عن موازنات السنوات السابقة، على الرغم من كل “الضجيج” الدائر حول إعداد موازنة من طبيعة مختلفة، تستجيب لمطالب الإصلاحات والترشيد ومكافحة الفساد الإنقاذية، بما يمهِّد الطريق لمفاوضات ناجحة مع صندوق النقد الدولي تستتبع تدفق السيولة إلى لبنان ووقف الانهيار.

ولعل في توصيف المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي ساروج كومار جاه للواقع اللبناني المأزوم، بقوله إن “الإنكار المتعمَّد في ظل الكساد المتعمَّد يخلِّف أضراراً طويلة الأمد على الاقتصاد والمجتمع. فبعد مرور أكثر من عامين على الأزمة المالية لم يحدِّد لبنان بعد مساراً يتسم بالمصداقية للوصول إلى التعافي والاستقرار الاقتصادي والمالي ناهيك عن الشروع في هذا المسار”، أصدق تعبير عن انعدام الثقة الدولية بالسلطة الحاكمة، الفاقدة للمصداقية، وبإجراءاتها.

ويرى الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان، أن “مشروع الموازنة المعروض أمامنا يؤكد أن النهج لم يتغيَّر، ولا نزال على سياسة تجميع الأرقام ذاتها”، مضيفاً أن “لا خطة ولا رؤية اقتصادية في هذه الموازنة، التي يفترض أنها أهم وثيقة تنبثق من الدولة ويُفترض أن تعكس السياسة المالية والرؤية الاقتصادية”.

ويعتبر أبو سليمان، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “في الحقيقة، هذه الموازنة هي فقط مجرد تجميع أرقام لنفقات قائمة وتشغيلية، وبعيدة تماماً عن النفقات الاستثمارية التي يمكن أن تشكِّل ركيزة دعم للقطاعات التي نتطلع إليها لإدخال العملات الصعبة إلى البلد، كالقطاع الزراعي والصناعي والتكنولوجي وغيرها”.

ويلفت، إلى أن “صندوق النقد الدولي ينظر أولاً إلى الخلل في ميزان المدفوعات وعلى خفض العجز بميزانية الدولة. في حين نلاحظ أن العجز ارتفع في هذه الموازنة، بغض النظر عمّا يقوله وزير المالية بأن العجز ليس 20%، وقد يكون صحيحاً أنه ليس بهذا المستوى نسبةً إلى الناتج المحلي، لكن مقارنةً بالموازنات السابقة، العجز في موازنة الـ2022 هو أضعاف العجز في تلك الموازنات”.

ويشدد أبو سليمان، على أن “أي عجز يتحوَّل تلقائياً إلى دين، كما هو معروف. بالتالي، من أين سيتم تسديد هذا الدين؟ وكيف يتم فرض ضرائب ورسوم شمولية مباشرة وغير مباشرة، سواء رفع الرسوم على السلع المستوردة من الخارج أو زيادة ضريبة الدخل على الرواتب والأجور، فيما يتم غضّ النظر عن الضرائب الانتقائية على الطبقة الميسورة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الأملاك البحرية، فماذا حصل على هذا الصعيد ولمَ لا ضرائب على مستغلِّيها ومستثمريها؟”.

“أما المساعدات الاجتماعية الممنوحة، فهي شبيهة بسلسلة الرتب والرواتب السابقة”، وفق أبو سليمان، الذي يضيف، “هذا برنامج تضخمي بامتياز”، مشدداً على أن “ما يهمّنا هو المحافظة على القدرة الشرائية للموظفين في القطاعين العام والخاص، ولا يهمّنا أن نجعل معاش الموظف الشهري 10 ملايين ليرة ويصبح التضخم 1000% والدولار بـ50 و60 و70 ألف ليرة”.

ويسأل، “بماذا نفيد الموظف إذا كان معاشه حالياً 3 ملايين ليرة مثلاً ويشتري بها 20 سلعة من أنواع معينة، ورفعناه إلى 10 ملايين لكن بات يشتري بهذا المبلغ 10 سلع من الأنواع ذاتها؟ فأي إنجاز هذا؟ وإلى متى يمكن لمصرف لبنان الاستمرار في هدر الدولارات وحرقها لتثبيت سعر الصرف، بقرار سياسي مالي للسلطة الحاكمة”، مشدداً على أن “هذا يؤكد عدم وجود سياسية مالية أو خطة أو رؤية اقتصادية. وفي ظل هذا الواقع، الدولار معرَّض في أي لحظة للعودة إلى التفلُّت نظراً لمحدودية قدرة البنك المركزي على التدخل في السوق”.

ويستغرب أبو سليمان، “بناء موازنة وطرح أرقام مالية مع عدم اعتماد سعر صرف محدَّد للدولار! ففي الدول الأقرب إلينا مثلاً في الخليج التي لديها واردات كبيرة بالعملات الصعبة، تعتمد معدل سعر برميل النفط السنوي وتبني موازناتها، في حين يقول وزير المالية عندنا إن الموازنة ستعتمد سعر صرف منصة صيرفة. لكن مع التقلُّبات والتغيُّرات اليومية للدولار على منصة صيرفة، كيف يمكن عملياً أن يتم التطبيق في الجمارك والمؤسسات والشركات والضرائب على السلع المستوردة، ومختلف الجوانب الاقتصادية؟”.

وبرأي أبو سليمان، أن “كل ذلك يعني أن السلطة في حالة تخبُّط (وخفق) وتقول (شو ما كان)، فقط لكي تتوجَّه إلى المجتمع الدولي وتقول نحن وضعنا موازنة”، معتبراً أنه “من المؤسف أن هذه السلطة لا تزال تعتقد أن بإمكانها خداع العالم بأي شيء، وبموازنة كيفما كان، في حين الجميع يعلم بأن هذه الألاعيب لم تعد تنطلي على صندوق النقد الدولي والدول والمؤسسات المانحة بعد التجارب الفاشلة على مدى السنوات الماضية، والتي تطالب بخطة واضحة بعناصر محدَّدة”.

ويلفت أبو سليمان، إلى “ناحية دستورية مهمة تتعلق بالودائع. فالدستور يعتمد معايير شمولية عامة، ويجب أن ترسِّخ القوانين العدالة الاجتماعية، فكيف يتم التفريق في الموازنة بين ودائع قديمة وودائع جديدة بالنسبة لتسديدها بالدولار؟ أين العدالة في ذلك؟ بالإضافة إلى أن الصلاحيات التشريعية لا تُسحب من مجلس النواب وتناط بشخص وزير”.

ويشدد، على أنه “في حال أرادت الحكومة مجتمعةً صلاحيات استثنائية تشريعية لتغيير أو تعديل أي مواد أو إقرار أي ضرائب، عليها أن تتقدم من مجلس النواب بهذا الطلب. ومعروف أن المجلس النيابي امتنع على مدى السنوات الماضية عن إعطاء أي حكومة صلاحيات تشريعية استثنائية، فهل يعطيها اليوم لوزير ليقرر وحده في قضايا الضرائب والرسوم وسعر الدولار والاستدانة والمفاوضات مع صندوق النقد وغيرها؟ فما الذي يحصل؟”.

ووفق أبو سليمان، “ما يحصل بالفعل هو عملية تخبُّط ومماطلة وشراء للوقت. ولنفرض أنه تمَّ إنجاز دراسة مشروع الموازنة وأُقرَّ في مجلس الوزراء، وأُرسل إلى مجلس النواب، وأُحيل إلى مخاض لجنة المال والموازنة، ومن ثم إلى اللجان المشتركة، ووصل في النهاية إلى الهيئة العامة للتصويت عليه، يكون (الشباب) قد تفرَّغوا لمعاركهم الانتخابية ووصلنا إلى موعد الانتخابات، لعلّ التطورات والمستجدات تسعفهم للاحتفاظ بمواقعهم”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل