#adsense

مُقيمون وليسوا مواطنين

حجم الخط

قيلَ إنّه كلّما كان لبنانُ يستغيثُ من نهجِ العالَمِ المتراخي في قضيّتِه، وينتابُهُ القلقُ من عدمِ الجديّةِ في التّعاطي مع ملفِّ هذه المسألةِ المركزيّة التي تنطوي على خطرٍ مُدَمِّرٍ في ما يخصُّ الكيانَ، والهويّةَ، لم يكنْ يتلقَّى سوى بياناتِ تنديدٍ جوفاء، وخطاباتِ أسَف، في حين كان ينتظرُ أن تكون ردّاتُ الفعلِ قويّةَ القوائم. فالخشيةُ، في هذا الصَّدد، ليست مزاجيّةً أو فانتازيّة، بقَدرِ ما يدفعُ إليها إحساسٌ بإمكانيّةِ ضَياعِ الوطن، وتَشتيتِ أهلِه، وفَرضِ حيثيّةٍ إنتدابيّةٍ عليهِ ترمي بهِ في أشداقِ الأوصياء. يقولُ المثلُ الشّعبيُّ : ” ألف زلغوطة ما جوَّزت عريس “، بمعنى أنّ التّصريحاتِ اللَّفظية، مهما تنامى عددُها، وتنوّعَت مراجعُها، ستبقى في إطارِ التمنّي المحض الذي لا يُجدي إنْ لم يُتَرجَمْ بالأفعال.

ما يهمُّنا، في التَركيزِ الوصفيّ، هو ما رشحَ من مواقفَ أطلقَها أركانُ الدّاخل، بعدَ أن ضُجَّ الجوُّ بالدّعوةِ الى إلزاميّةِ تطبيقِ القراراتِ الأمَميّة المتعلّقةِ بلبنان، لا سيّما 1701 و 1559، ما يُعيدُ البلدَ الى التّعافي، والسّلم، والأمان. ويمكنُ حَصرُ هذه المواقفِ في ثلاثةِ أقسام : القابِل، والرّافض، والرّمادي أو الصّامت.

إنّ اللبنانيّينَ الذين تلقّفوا الدعوةَ بإيجابيّة، امتلأوا بالحميّةِ بالرَّغمِ من اقتناعِهم بأنّها ليست العصا السحريّةَ القادرةَ على إحداثِ معجزةٍ فوريّةٍ، تنتشلُ الوطنَ من هاويةِ الإنهيار. لكنّ مَدَّ الجسورِ مع التّفاؤلِ هو، بالنسبةِ لهؤلاء، أفضلُ من الإحباطِ المُطبِقِ عليهم، وعلى سواهم من الناس، كما أنّه يُشكّلُ فتحَ كوّةٍ في جِدارِ اليأسِ، والخوف، والإشمئزاز، لاستعادةِ عزيمةِ الثّقة، بديلاً من مسلكيّةِ الخيبة. وهذا لا يعني، إطلاقاً، أنّ الإنقباضَ النّاتجَ عن الحَذَرِ قد زالَ كليّاً، وأنّ الإيجابيّةَ اللّينةَ تُلغي ما يمكنُ أن يُخافَ الوصولُ إليه من خواتيمَ بائسةٍ تشقّقُ لحظاتِ الأملَ. وحريٌّ القولُ بأنّ اللبنانيّين التّائقين الى الخلاص، لا يستنكفون عن إعطاءِ فرصةٍ، بل فُرَصٍ، لكلِّ المهتَمّين بالشأنِ اللبنانيّ، أينما كانوا، والى أيِّ منتدى انتَمَوا، وبالتالي، لا يتأخّرون في استخدام قاموسِ التّرحيبِ بكلّ المبادراتِ، راجين أن تأتيَ بنتائجَ تُخرجُ الوطنَ من عُنُقِ الأزمة.

إنّ الذين بادروا الى رفضِ العرضِ الخليجيّ، حتى قبلَ أن يطّلِعوا على مضمونِه، لا يمكنُ توصيفُ موقفِهم بأنّه موضوعيّ، أو وطنيّ. وبالتالي، فموقفُهم بحاجةٍ الى وكالةِ غَوثٍ عقليّة، لإعادةِ النّظرِ بما رفضوه، لأنّ مردَّ رفضِهم يعودُ الى جهلٍ مُطبَقٍ بمقياسِ المنطقِ القائمِ على الدّرسِ، والبيّناتِ، والإستنتاج. لم ينتظرْ هؤلاءِ ما سوفَ يسمعون، ويعرفون، من القادِمين إلينا بمبادرةٍ رزينةٍ، ودقيقةٍ، ولائقة، حتى باشرت أبواقُهم بالكلامِ النّابي، وبمجلّداتِ الشّتائمِ والإتهامات، وبلغةِ الإسفاف، مُهَدِّدةً بعظائمِ الأمور، وذلك للتّذكيرِ، تأكيداً، بأنّ مسارَ لبنانَ لا ينساقُ الى ما يطلبُهُ المُبادِرون، والخليجيّون منهم على وجهِ الخصوص، بل الى ” أسيادِ البلد ” المُتَحكِّمين، جَوراً، بقرارِ الدولة، والرّافِضين أن تُحمَلَ القضيةُ اللبنانيةُ الى المحافلِ الدوليّةِ التي هي، بعكسِ ما يظنُّ هؤلاء، صمّامُ أمانٍ لمستقبلِ البلاد، وسلامةِ العِباد.

إنّ الفريقَ الصّامتَ من اللبنانيّين، يرتكبُ جريمةً موصوفةً لا يقلُّ خطرُها عمّا يبادرُ إليه الرّافضون. فالإحجامُ عن المواجهة، بمعنى عدم إبداء الرأي، لا يمكنُ تفسيرُهُ اعتدالاً، أو ميلاً الى عدمِ إغضابِ أيٍّ من الفريقَين، بالوقوفِ على الحياد، أو على مسافةٍ واحدةٍ منهما. لو كان الأمرُ يتعلّقُ بمسألةٍ هامشيّة، أو عَرَضيّة، لكنّا تقبَّلنا هذا الموقفَ الفاتر، أو الذي يميلُ الى الألاعيبِ اللَّفظية، لكنّ مَدارَ المبادرةِ يركّز على تقديمِ نبضاتِ إنعاشٍ لمقرّراتٍ دوليّةٍ كان ينبغي أن تُنَفَّذَ يومَ أُعلِنَت، ولو تمَّ ذلك، لكان لبنانُ عَبَرَ، حتماً، الى مجرى الحياةِ الطبيعيّة، إقتصاديّاً واجتماعيّاً، وثَباتاً في الأرض، وأماناً للمستقبل، واستعادةً للكرامةِ الوطنيّة. من هنا، فإنّ لفتَ نظرِ المسؤولين الى هذه المسألة، من جانبِ الجهاتِ التي تأهّبَت للدّعمِ، والتّلاحمِ مع مبتغى الشّعبِ الذي يعاني أسوأَ ما يمكنُ أن يمرَّ على الناسِ من قهرٍ، ويأسٍ، وفقر، لا يمكنُ أن يُواجَهَ بلامبالاةٍ، وبتردُّدٍ، وبصَمتٍ مشبوه، ليُترَكَ لناهِبي الدولة، وللسلطةِ السّاقطة، الإستمرارُ بالإِجهازِ على عُبورِ الوطنِ الى الحريّة، والحقِّ بالوجودِ السيّد، والى أجواءِ العدالة، والسلام، والعَيشِ الكريم.

وبعد، يمكنُ اعتبارُ مبادرةِ الأشقّاءِ، والمطَعَّمَةِ بدَفعٍ دَوليّ، صرخةً طليعيّةً نتمنّى لها الوصولَ الى الذين رَزَّحوا الوطنَ تحتَ أعباءِ الجراح، ومَسَحوه أسلاكاً، وأَلغاماً، وهَجَّموا العتمةَ على أنفاسِه، وصَيَّروا شعبَه إسماً حَجَريَّ المَلمَح…حتى يُسرِعوا الى قَبولِها، ومواكبةِ تنفيذِها، وإلّا سوفَ يعتبرُهم الناسُ المقهورونَ دخلاءَ، ومتآمِرين، وخَوَنَة، وقَتَلَة، ومجرَّدَ مُقيمينَ، عنوةً، على أرضٍ قضى الكثيرُ من أبريائِها شهداءَ حتى لا يَغزوَها عصرُ الظّلمات، ويسعى إليها زمنُ جهنّم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل