
في جديد “البهلوانيات المالية” التي تتخبّط فيها الحكومة ومصرف لبنان للمحافظة على ما تبقى من قيمة الليرة اللبنانية، حددت وزارة المالية معدل متوسط لسعر الصرف في موازنة العام 2022 بـ10.083 ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد، معتبرة أنه سعر صرف واقعي، فيما تؤكد ظاهرة تعدد أسعار الصرف أن الانفصام هو الأقرب إلى الواقع.
وبينما يسير لبنان بعكس الاتجاه المطلوب منه في مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي، الذي يشترط التوجه نحو سعر صرف موحّد تعتمده الدولة والأسواق التجارية، عزَّز توجه الوزارة مخاوف جهات اقتصادية ومالية مختلفة من انعكاس هذا القرار في حال تم اتخاذه، على سعر الدولار الفعلي في السوق، والخشية الجدية من موجة تفلُّت جديدة.
وتشير مصادر اقتصادية، في تصريحات إلى موقع القوات اللبنانية، إلى أن “تحديد الدولار على هذا السعر، يدفع مباشرة إلى سؤال بديهي، من سيدفع الفارق لمشتريات الدولة وخدماتها ما بين سعر صرف الـ10.000 ل.ل وسعر السوق الفعلي الحالي الذي يلامس الـ24.000 ل.ل، وعلى منصة صيرفة بـ22.500 ل.ل تقريباً؟”، علماً أن مصرف لبنان يواصل ضخ الدولار من احتياطه المتهالك بهدف خفضه أكثر مع ضبط سوق الصرف.
وبينما تسيطر السوق السوداء على مفاصل الحركة الاقتصادية، تُطرح علامات استفهام عدة حول الاقتراحات العشوائية لتحديد سعر الصرف، فهل تضبط الموازنة السعر لمدة سنة كاملة؟ وفي حال تفلّت الدولار من جديد، كيف ستتعامل الوزارة مع تقديرات بنود الموازنة وخصوصاً المرتبطة بالنفقات التشغيلية؟
الخبيرة في الاقتصاد النقدي والمالي ليال منصور لا توافق رأي المصادر، مشيرة الى أنه “من الأفضل أن يكون سعر الصرف في الموازنة أقل بفارق كبير من السعر عبر منصة مصرف لبنان، لأنه يصب في مصلحة المواطن الذي لا يستطيع أن يدفع ضرائب وفق سعر السوق السوداء أو سعر صيرفة”، موضحة أن “التجار يشترون السلع أساساً على سعر السوق السوداء أو سعر المنصة (فوق الـ20 ألف)، بينما الرسوم والضرائب ستحتسب على أساس الـ10 آلاف ليرة (بحسب الموازنة)، وبالتالي تأثير الضرائب على أسعار السلع ليس كبيراً نسبياً مقارنة بالارتفاع الجنوني الذي شهدته مع تفلت سعر صرف الدولار”.
وتلفت الى أن “أغلبية البلدان التي لا تستطيع السيطرة على سعر صرف العملة الوطنية أو الدولار تتجه الى تحرير عملتها، أي ترك سعر صرف العملة خاضعاً لآلية العرض والطلب، فتثبّت سعر الضريبة بما يصب في مصلحة المواطن لتكون أقل من السوق السوداء. وفي ما يتعلّق بوضع لبنان الاقتصادي، فإن تحديد سعر الصرف في الموازنة على الـ10 آلاف ليرة وما يتبعه من رسوم وضرائب، في الوقت الذي يتخطى فيه سعر السوق السوداء الـ20 أو الـ30 ألف ليرة، يخفف عبء التغيير المستمر لسعر الصرف على المواطن”.
وتعتبر منصور أن “اعطاء وزير المالية يوسف الخليل الصلاحية بتغيير سعر الصرف يعني أنه كلما ارتفع سعر صيرفة سيتجه الوزير الى تعديل سعر الضريبة. مثلاً، إذا أصبح السعر الرسمي عبر منصة صيرفة 30 ألف، ستصبح الضريبة بين الـ15 والـ20 ألف، أو في حال وصل إلى الـ50 ألف، يستطيع وزير المالية رفع الضريبة الى 25 ألف مثلاً، أي أن سعر الصرف على الـ10 آلاف ليرة في الموازنة ليس ثابتاً”، مضيفة أن “سعر الصرف عبر منصة مصرف لبنان يتغير بحسب العرض والطلب ولا يجوز تثبيته ليكون أقرب من سعر الموازنة لأنه يحدد الكتلة النقدية في السوق وحجم تداول الدولارات والليرة اللبنانية”.
أما عن النفقات التشغيلية الخاصة للدولة، تؤكد منصور أن “الدولة ووفق الموازنة تتجه الى تخفيض النفقات لئلا تتكبد المزيد من العجز في ميزانيتها، كما أن التقديرات التي وضعت في بنود الموازنة والمرتبطة بالنفقات التشغيلية ستتغير أيضاً نسبياً وفق سعر الصرف في الموازنة الذي بدوره سيتغير وفق سعر الصرف عبر منصة صيرفة”.
وتعتبر أنه “عندما تقدم الدولة موازنة تقشفيّة مع ارتفاع للضرائب نسبياً، فهي تراهن على المساعدات بالدولار لتنفقها على مؤسسات الدولة، لأن الموازنة الحالية لا تتضمن تصحيح الأجور وبدل النقل وغيرها”.
وعلى الرغم من تعدد أسعار صرف الدولار، توضح منصور أن “ذلك لا يتناقض مع شروط صندوق النقد الدولي لأنه يطلب دائماً لولرة الودائع وتحرير سعر الدولار”.
