.jpg)
لم يسبق أن عاش لبنان الحالي هذا الوضوح من الانقسام الكياني والعقائدي والهويّاتي والثقافي، وليس أدلّ على ذلك الانهيار والفشل الذي يعيشه، ولا سيّما انهيار مؤسّساته ممّا يؤدّي بحسب “Emmanuel kant” إلى انهيار قِيَميّ وأخلاقيٍّ.
منذ تأسيسه في القسم الأوّل من ثمانينيّات القرن الماضي حتى العام 2008، ظلّ حزب الله يحاول أن يستر هويّته الثقافيّة والعقائديّة التي تربطه بنظام ولاية الفقيه في الجمهورية الاسلاميّة في إيران وبالتالي بمشروعها المتمثل بتصدير الثورة واثارة القلاقل والتخريب في المنطقة من أجل السيطرة عليها وردها 1400 سنة الى الوراء. غالبًا ما كان يتلطّى هذا الحزب بعباءة المقاومة لإسرائيل للقيام بكلّ ما من شأنه استكمال القيام بدور رأس جسر المشروع الايراني في لبنان والمنطقة. ولكن منذ العام 2008 بدأت تتظهّر هويّة وحقيقة حزب الله بدءًا بأحداث أيار 2008 وصولاً إلى الانخراط في الحرب السورية، ومن ثمّ حرب اليمن وأحداث العراق، إضافة إلى أنشطته الأخرى حول العالم كمسألة خليّة العبدلي وغيرها الكثير. إذًا ثمّة في لبنان فريق اسمه حزب الله ومَن يتبعه ينخرط وينتمي إلى مشروع ودولة خارجيّة متمثّلة بالجمهوريّة الاسلاميّة في إيران ولا يربطه بلبنان إلا الهوية القانونيّة اللبنانية إلى جانب الإقامة المؤقّتة. وهو يعمل لمصلحة هذا المشروع فقط لا غير على حساب كيانيّة وهويّة ومصلحة لبنان واللبنانيّين والشواهد على ذلك تكاد لا تحصى ولا تعد.
بالمقابل ثمّة فريق آخر يعتنق قيم السيادة والحريّة وبناء دولة القانون والمؤسّسات والانتماء إلى لبنان فقط دون غيره.
إذًا لبنان يتنازعه فريقان: الأوّل لا ينتمي إلى لبنان إلا قانونيًّا بل يتبع ويعتنق نظامًا عقائديّا مستنداً إلى غيبية دينية لا علاقة لها بهذا العصر كنظام حكم. إن تبعية هذا الفريق هي عضوية وشديدة الالتزام بين الآمر والمأمور. اما الفريق الثاني هو الفريق اللبناني السيادي الكياني الذي يؤمن بلبنان ودوره وثقافته وطنًا نهائيٍّا لجميع ابنائه. فيما تتركز اهتمامات وعواطف الفريق الاول في سوريا واليمن حيث يذرف النائب محمد رعد دموعه الصادقة على تضحيات اليمنيين غير آبه بالكارثة الاقتصادية والسياسية التي أوقع فيها لبنان والتي تعتبر واحدة من أكبر الانهيارات الاقتصادية في التاريخ ومن ثم يطالعنا أحد شيوخ ومنظري هذا الفريق قائلاً انتم اللبنانيون لا تأبهون لما يجري للشعب اليمني متناسياً هو الاخر لما يقاسيه الشعب اللبناني المظلوم ومميزاً نفسه عنه.
بالمقابل تتركز اهتمامات الفريق الثاني على كيفية انقاذ وطنهم من هذا الجحيم واستعادة سيادته وشرعية قراره لذلك جاءت دموع الرئيس سعد الحريري صادقة على بلده الذي يعاني وهو مضطر لتعليق عمله السياسي ولا يمكنه ان يقدم له ما ينقذه بغض النظر عن قدرته على ذلك. وكذلك الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2006 ابان حرب تموز عندما بكى وطنًا يفقد مقومات الحياة على يد صنّاع الموت لأن الوطن كما قال محمد الماغوط حيث تتوفر مقومات الحياة لا مسببات الموت. اذاً، ثمة دمعتان الاولى لأجل الحياة والثانية من اجل الموت.
تجري دموع كل من الرئيس الحريري والنائب محمد رعد لتفصل بين نظرتين ومشروعين في لبنان: الاول وطني يهدف الى تثبيت كيان لبنان وهويته وثقافته لجميع ابنائه، والثاني غير وطني مرتبط عضوياً بولاية الفقيه في ايران ينظر الى لبنان كمركز قيادة لانشتطه في لبنان والعالم، وضد لبنان والعالم ويتظلل مؤسساته ويستعمل ابناءه كوقود لقطار مشروعه الاقليمي.
وهذه الدموع يجب أن تصقل ارادة اللبنانيين نحو التمييز بين هذين المشروعين والثقافتين والحضارتين وبالتالي الاقتراع لمشروع الدولة والا الاستغراق في اليأس والفقر والبؤس والفوضى وبالنتيجة الهجرة الى غياهب الشقاء.
مصلحة الأساتذة الجامعيين