
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1725
خلصوا الزيتات وبقي فكرُه سراج المقاومة
مخول… “كل صليب بحملو بقرّب شوي ع المسيح…”
أتعرفون مخول؟ هل قرأتم جميعا صفحات رجل لم يشأ يومًا أن يكتب سطوره إلا السيد المسيح وتلك القضية التي صنعت منه مخول، وصنع منها رجلاً لمّا عاش كان الرجل ولما مات كان الرجل. بتعرفو مخول؟ ومين ما بيعرفو؟ طيب أيعرفنا مخول فردًا فردًا؟
سألت رفاقاً كثرًا لما أخبروني برحيله الموجع. «كان يعرف الكل حتى لو ما كان بيعرفهن». كان يسأل عن الكل لأن الكل كانوا من تلاميذه، وصفوفه لم تكن تقليدية كما اعتدناها في المدارس، صفوفه تنشئة فكرية ثقافية شاملة لرفاق اعتبرهم أصدقاءه أهله ناسه أحباءه، هم كل قضيته. مدرسته لم تكن مجرد دروس يحفظها الرفاق وينالون عليها العلامات، مدرسته كانت شغف المقاومة، ولم يشأ أن يكون المقاومون وحيدين من دون ثقافة وعلم، هم من تركوا كل شيء ليربحوا وطناً، فأسس لأجلهم مدرسة المقاومة اللبنانية السياسية والفكرية، فكانت الدرب التي تنير عتمة قلوب المقاومين في ليالي الضعف أو التراجع أو التردد. كيف نكتب عن رجل يشبّهه رفاقه بـ»غوغل القوات»؟ كيف تكتب عن رفيق، تقول عنه رفيق بالمعنى الحزبي، لكنك لا تقاربه إلا بقليل قليل يسير من ثقافته اللامحدودة، وسعة اطلاعه وعمق أفكاره، وأكثر من كل ذلك، ذاك الشغف الإستثنائي العميق بقضية المقاومة. «ورغم كل هالشي أول صفات مخول التواضع والإبتعاد عن الكواليس» يقول رفيق الدرب داني رحمة. متواضع الى حد الخجل أحياناً، بسيط من فرط عمقه، مخجل لخصومه حين يستعرض هؤلاء أمامه بعضًا مما عندهم، وما كان عندهم أي شيء يفوق حضور وثقافة وتواضع وقدسية قضية مخول. وشو قضيتك يا شب؟ «المقاومة، القوات اللبنانية، بلادي الحلوة لبنان المزنّرة بالموت والخطر ووحدهم هؤلاء الأبطال الذين أنقذوها مرات ومرات من الإنحلال والإحتلال، سينقذونها الآن من جديد»، هكذا كان يقول، هكذا كان يؤمن.
رجل الكواليس الذي يصنع الحدث ويبقى في الظل، عاشق الكتاب، كتب كتب كتب، لم يتلق يومًا هدية أفضل من كتاب، ولم يخذل يومًا خير رفيق له في الأنام، إذ حوّل ثقافته الواسعة الى رسالة مباشرة نقلها للمقاومين، كان يريد للمقاومة أن تتثقف. لكل زمن سلاح. لما كانت البارودة كان هناك معهم، حمل سلاح الفكر والتنشئة الفكرية، ولما أرخوا البارودة بقي معهم يثقفهم في السياسة والتاريخ وعلم المواجهة والمفاوضة، من دون التخلي عن المبادئ والعنفوان، كما يليق بتلك القضية المقدسة التي حملها رفاقه حتى الإستشهاد. كان يريدهم مقاومين أشداء في نفوسهم كما هم شجعان في مواجهاتهم الميدانية. كان يريدهم مقاومين مثقفين لا تأخذهم الحرب والمواجهات الى وحشية الإنسان وعزلته عن نفسه، بل مقاومون لا ينسون الله ولو لحظة ليبقوا في إنسانيتهم في كل اللحظات.
ليلة رأس السنة، رحل مخول، واسمه أساسا مخايل عواد، لكن الرفاق أحبوا أن يدللوه فأطلقوا عليه إسم مخول. فتح المثقف آخر صفحات كتبه، سمع آخر النغمات التي أحب، وكان يعشق فاغنر، وقال لهم «لا تقولوا لي وداعًا بل الى اللقاء، فأنا أحيا مع المسيح»، هو الذي اعتبر مرضه العضال خشبة من صليب المسيح حملها معه لبرهة من زمن الأرض.
«… دبحني مخول بموتو، كانت ضربة على راسي ما توقعت يموت بهالسرعة»، يقول بأسف شديد النائب السابق إيلي كيروز، رفيق مخول بالفكر والنضال ورسالة المقاومة. ويكرر بإلحاح «بدي ركّز على كم نقطة أساسية بحياة مخول وهالنقاط مش ممكن ما نذكرهن بس نحكي عنو»، ويبتسم لفكرة أن رحيل الصديق المفكّر جاء صاخبًا، هو الذي عاش في ظلال الهدوء، ومصدر الصخب حزن الرفاق الذين نشروا صوره على صفحاتهم، وكتبوا له بحبر القلوب ما يليق بذكراه، وكذلك فعل الحكيم الذي نعاه بما يليق بمسيرة مخول الناصعة كحياته».
بلّش مخول نضاله من ضيعتو حصرون ومن ثانوية بشري الرسمية، وساهم مع رفاق بإطلاق الموجة الثانية للقوات اللبنانية في بشري وجبة بشري، طبعا بعد الموجة الأولى التي أطلقها الحكيم. إنتسب مخول باكرًا الى مدرسة المقاومة المسيحية الفكرية السياسية بدءًا من جبهة القطارة والشمال وبرج الفيدار وصولاً الى معهد الإعداد الفكري في بلونة وأيام الإعتقال الصعبة وجهاز التنشئة السياسية في طبرجا، وواكب المقاومين في المراكز العسكرية على طول جبهة الشمال وعرضها إيماناً منه بأولوية الفكر السياسي في العمل الحزبي». ويروي كيروز عن رفيقه، بأنه في «العام 1980 شارك مخول في القطارة في دورة فكرية لاهوتية تاريخية لأن كان بدو إنو الجيل الشاب من المقاومين يعملوا تغيير حقيقي ويواجهوا الإقطاع السياسي وما شابه».
مؤسس معهد الإعداد الفكري في بلونة، شكّل علامة فارقة بين الرفاق «إذ كان مكتبة حيّة شغوفاً بالكتب على أنواعها، ولطالما سعى الى الحوار المسيحي ـ المسيحي والوحدة المسيحية كمدخل الى التفاهم اللبناني اللبناني الصحيح» يقول كيروز. الهادئ الطباع، لم ينجُ من ضربة الجهاز الأمني، فالمتواضع المثقف، كان رفيقاً مناضلاً فاعلاً وشجاعاً. وفي 7 آب اعتُقل عندما كان يحاضر مع طوني حبشي في مصلحة الطلاب في أنطلياس، وسيق الى السجن كما كثر من المناضلين، وهناك حاول المثقف العميق ألا يسمح لإهاربيي النظام الأمني، أن يؤثروا على تفكيره ويغرقوه في اليأس أو الخوف، على رغم أنه تعرّض للتعذيب ما أثر على قلبه لاحقاً، وخرج منتصرًا من محنته، مصقولاً كالذهب حين يخرج من النار.
«في ساحة النضال السري السلمي كان لمخول دور أساسي وقدر مع الرفاق على رغم التهديد الأمني إنو يحافظ على التواصل مع باقي المنسقين والناشطين ببقية المناطق لمواجهة آلة القمع»، يقول كيروز، ويروي أنه وبعد خروج الحكيم من الإعتقال ودخول القوات اللبنانية في حقبة السلم السياسي، «إنكب اهتمامنا مخول وأنا وطوني عون ورفاق آخرون، على صياغة المواقف السياسية وإطلاق البيانات الإعلامية التي تتعلق بحقوق الإنسان والمرأة وحقوق المسيحيين في لبنان. ومع إنشاء الجامعة الشعبية ومن ثم جهاز التنشئة السياسية برئاسة طوني حبشي، برز دور مخول كمرجع فكري تاريخي وسياسي. يتوقف كيروز عن الكلام، يتنهد، «مخول قامة فكرية إستثنائية عاش حياتو الحزبية بسيط متواضع ملتزم وبقي مجهول بغالبية الأوقات. ما أخد حقو من الحياة، زعلان زعلان كتيير عليه.
العازب تزوج قضيته فقط، وشرب كأسها حتى الثمالة، ورفض أن يكون لها شريكاً يقاسمه الإهتمام في حياته، فاختار العزوبية لكنه لم يكن يومًا وحيدًا، إذ كان محاصرًا بحب الرفاق الكثر الذين رافقوه في كل خطواته، كانوا يحبونه يحترمونه، يميّزونه عن الآخرين، يقدّرون تلك الطاقة الفكرية الهائلة. «كان خطابو خطاب رجل فكر بدّو يزرع الثقافة وين ما بيروح، وبدّو يزرع روحية المقاومة والنضال فينا حتى العظم، كان بدّو يعمّم فكرة الثقافة بكل المطارح تـ تضل العالم فخورة بالمقاومين وبنضالهم العسكري والسياسي والفكري كمان»، يقول رفيقه طوني خوري الذي يتحدث بفخر مشوب بالحزن العميق على فراق المفكّر «هادئ صلب بيعرف كيف يوصّل الرسائل بطريقة ذكية ولبقة، محاور من الطراز الرفيع إنطلاقاً من منطق فلسفي ولاهوتي وتاريخي، بيعرف كيف يحاور خصومه بالسياسة وكان له صلات وثيقة مع كثر منهم، يضل يقول للكل «لازم نقوّي وضعنا كمسيحيين» وما كان يستسلم لأي مشكلة يعمل كل اللي عليه ويترك الباقي ع الرب».
البطل، كما يقول عنه رفاقه، كان يصف الحكيم بالبطل، وكانت الإتصالات متواصلة بين البطلين وخصوصًا في مرحلة مرضه في المستشفى، «عمرو 57 سنة وكأن عمرو ألف سنة لأنو ترك فينا أثر كتير كبير، كنا خايفين كتير عليه وهو يعطينا المعنويات ويضل يشجعنا، محروق قلبي عليه» يقول خوري قبل أن تقطع حديثه تلك الدمعة الحارقة على خسارة قيمة فكرية إستثنائية في القوات اللبنانية. نظن أحياناً أن الكبار لا يمرضون، لا يموتون، لا يستسلمون للرب. والحقيقة هي عكس ما نظن تمامًا، وحدهم الكبار في نفوسهم، يعرفون أن الحياة مفارق صعبة وجبهات ونضالات متواصلة، وأن من يستسلم لإرادة الرب ويحمل معه صليبه بقبول دفء الإيمان، هم الكبار فعلاً.
كان يعرف مخول كل الحقيقة عن مرضه، وعن المراحل الصعبة التي سيعبر بها في العلاج، «كان عندو أمل كبير بالشفا وكان كتير صلب ويحكي عن مرضو كمشاركة للمسيح بحمل صليبو، وكان عم يخطط لمشاريع وبدّو يكفي بالنضال ويضل يحكي عن الانتخابات، وكان مؤمن إنو القوات راجعة ع السلطة وما حدن غير القوات رح يحرروا لبنان بهالمرحلة»، يقول داني رحمة، صديقه ورفيقه الذي رافقه بشكل لصيق في مرحلة المرض.
حزين، حزين للغاية داني على فراق صديقه «تصوري كل عذابات المرض يبقى يضل يقلّي «كل صليب بحملو يا داني بصمت بكون عم قارب المسيح بآلامو», ومات بنوبة قلبية حادة هو اللي تعرّض للتعذيب بزمن الإعتقال وتلقى ضربات قاسية على قلبو، يا قلبي عليك يا مخول»، يقول داني بتأثر كبير. هل يأس مخول؟ هل عرف قلبه الكبير التراجع أمام التجربة الكبيرة؟ «أبدا، لأنو تعرّض لكتير من التجارب بحياتو صار عندو صلابة أكبر، ولا مرة حسّيت عليه إنو يائس بالعكس، يضل يعطينا معنويات وهو بعز الألم. وتفاجأت وقت اشتد عليه الألم والمرض، إتصل بعيلتو وأخبرهم بحقيقة مرضه وعما يمكن أن يواجه قريبًا، ومع هيك بقي يوزّع علينا الأمل ويطلب إنو نناضل بكل قوتنا لنربح الانتخابات النيابية، وبآخر الأيام كان كتير تعبان بس بقي العنفوان عالي وإيمانو بيهز جبال» يقول رحمة.
ما فينا نختصر مخول بكلمات الدني كلها، كان روح المقاومة وكتابها المفتوح على كل الإحتمالات الجميلة» يقول عنه الرفاق. «حكيتو قبل الموت بيومين ع التلفون وقلّي أنا مش منيح الله يساعدني تـ قطّع المرحلة… وما قطعها»! يقول بحزن بالغ إيلي كيروز.
خلصوا الزيتات يا مخول، وبقي فكرك هنا سراج المناضلين.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
