#dfp #adsense

القوات والانتخابات… واثق الخطوة!

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1725

لو شاءت القوات، لراهنت من زمان على اللجوء إلى «بوتوكس» التحالفات الهجينة والتركيبات المصلحية الضيّقة، لتنفخ حجمها التمثيلي وتحصل في كل مرة على كتلة أثقل وزناً في الشكل وأخف وزناً في المضمون، لكنها فضلت أن تعتمد على نفسها وعلى خطابها الصافي وعلى الجمهور المتماسك بدلاً من افتعال لوائح «من كل وادي عصا» يستند فيها مرشحوها إلى عكازات سرعان ما تتخلخل أو تنهار، وكأن الهدف ينحصر بحصد أكبر عدد من المقاعد ولو تآكل هذا العدد لاحقاً، فالمهم أن يخدم الأهداف الآنية لبعض الإستحقاقات المرتبطة بمواقع السلطة، وبعد ذلك ما هم إن تفرّق عاشق من هنا وعريس من هناك وانتهازي من هنالك.

اليوم تقف القوات ومعها البلاد برمتها على مفترق طرق مصيري، فإما يلتقط اللبنانيون الفرصة للتغيير الفعلي، وإما يمضي لبنان في موته البطيء وصولاً إلى واقع يراوح بين الإنتهاء كوطن متمايز وبين الإستمرار مجرد ولاية أو ريف ملحق. ولذلك يحرص سمير جعجع مع أركان الحزب والمعنيين باستحقاق أيار، على اختيار الأسماء الحزبية أو الملتزمة أو الحليفة بعناية فائقة، من دون إعتبارات إلا ما يتعلق منها بالصورة النظيفة للقوات وللمرشحين وبمعايير الثبات والكفاءة. أما ما يعتبره البعض عقدة أو حرجًا في استبدال نواب حاليين بمرشحين جدد من حزبيين وغير حزبيين، فلم يكن كذلك، لأن الجميع ملتزمون أو غير راغبين بالتجديد،  فضلاً عن البحث عن حلفاء يحظون بالحضور والإحترام، ويقتربون جدًا من المواقف السيادية والمبدئية للقوات اللبنانية، والتي تبلورت أكثر وتدريجًا إلى مواقف تتخطى الإعتبارات الطائفية والمذهبية والفئوية إلى رحاب الثوابت والعناوين الوطنية.

وربما هنا يكمن جانب مهم من الفارق، فالقوات اللبنلنية اليوم لا تقدم نفسها كحزب مسيحي حصرًا، وهي في الأساس ليست كذلك، وإن غلب عليها هذا الطابع، فهي حزب لبناني صرف لا تضم شرعته السياسية أي إشارة طائفية أو فئوية، لكنها في الوقت عينه تقدس الحرية والتنوّع والشراكة الفعلية واحترام الخصوصيات الثقافية والروحية لجميع المكوّنات اللبنانية كمصدر غنى.

إنطلاقا من هذا الواقع، تبرز القوات سياسيًا وتاليًا انتخابيًا كقوة تتجاوز الحزبيات والإصطفافات التقليدية، إلى قوة وطنية على مستوى الطرح والتفاعل، وهذا ما يُربك العديد من الأخصام وبعض من يُفترض أن يكونوا إلى جانبها في الصف الوطني السيادي وفي النضال من أجل الخلاص من الفساد والمفسدين والفاسدين. وهذا مغزى الحملات التي يتعرض لها سمير جعجع والقوات مع إقتراب الإستحقاق الانتخابي، على غرار الخطاب الإنفعالي وربما المفتعل في بعض مفاصله للسيد حسن نصرالله غداة غزوة عين الرمانة، بهدف إحياء المناخ الإنقسامي طائفيًا، في وقت يتولى التيار الوطني الحر ورئيسه إطلاق السهام عشوائيًا، مصرًّا على استذكار الماضي وبشكل معتور، علمًا أنه بدأ يعدّل في بعض مقارباته ليميّز نفسه أكثر عن «حزب الله» وليوحي بحرصه على مناخ المصالحة المسيحية، والذي نكّل به أيما تنكيل على مدى سنوات عدة.

في أي حال، تحرص القوات اللبنانية على عدم التوقف كثيرًا عندما تتعرض له، كي لا تقدم للأخصام بشكل خاص هدايا مجانية، إذا ما سمحت لنفسها أن تُستدرَج إلى ساحاتهم، الأمر الذي يسيء إلى صدقيتها وانطلاقتها الواثقة في الفضاء الانتخابي. فهم يحاولون بشتى الوسائل إخراج سمير جعجع عن طوره وإعادته إلى مربع السجالات الضيّقة والتي تسهم في الوقت عينه في تعويمهم.

وتدرك القوات اللبنانية أن الطرح الوطني الذي تطل به على اللبنانين، إنما يخدم بشكل خاص مبدأ المواطنة الذي لا يفرّق بين مسيحي ومسلم، ويركز على الإنسان بمعزل عن انتمائه، علمًا أن لا أحد يمكنه المزايدة على دفاعها الشرس عن التوازن الوطني وتمتع المسيحيين كما سائر اللبنانيين بحقوقهم الكاملة، ودائمًا وفق منطق الميثاق الوطني المثبّت في الكثير من جوانبه في الدستور لا سيما بموجب وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف.

فحقوق المسيحيين لا تختصر بتعيينات إستنسابية على قاعدة المحاصصة والمحسوبيات، فمصلحة المسيحيين تكون بوجود مسيحيين من أصحاب الإختصاص والكفاءة يتمتعون بالإستقلالية والنزاهة، وهو ما ينطبق تمامًا على المسلمين، أما اختيار وزراء أو نواب أو موظفين كبار على قاعدة التبعية، فهو لا يعني أبدًا خدمة مصالح هذه الطائفة أو تلك، بل خدمة مصالح وحسابات هذا المسؤول أو ذاك.

ولذلك ترفض القوات اللبنانية العودة إلى نغمة التعيينات والتشكيلات التي نؤمن وصول المحاسيب لا سيما قبيل الانتخابات النيابية، وهي كما يبدو قد تكون الخرطوشة ما قبل الأخيرة لوزير البلاط قبل الانتخابات بهدف توظيفها لمصلحته وانتشاله من النزف الكبير الذي طال رصيده.

اليوم تجد القوات اللبنانية نفسها، في ضوء الثقة الشعبية الواسعة التي يمحضها إياها اللبنانيون مسيحيين ومسلمين، أمام مسؤولية تاريخية، لا سيما بالنسبة للشباب المتحرر من الحسابات التقليدية والذي يرفض تقنين رأيه وتطلعاته، والذي يجد في القوات حالة تمثله إلى حد بعيد، والدليل نتائج الانتخابات الطلابية في الجامعات على اختلافها، والترحيب الذي تلقاه طروحات سمير جعجع ومواقفه لدى شرائح سنيّة ودرزية وشيعية تجد فيه قماشة رجل الدولة والزعيم الوطني الذي لا يتوسل المزايدات الفئوية. فالقوات عندما شاركت في الحكومات كانت صوت صارخ في بريتها من أجل الإصلاح ومحاربة الفساد ورفض الإرتهان، بينما لا تتردد في التصدي كرأس حربة للمعارضة، وبخاصة بعد الخيبات التي أصابت الثورة، وإجهاضها بنسبة كبيرة على يد بعض راكبي موجتها من إنتهازيين وماضويين، ولذا لا يمكن للقوات اللبنانية اليوم أن تفرّط بآمال اللبنانيين، شرط أن يكونوا على الموعد ويحسنوا الإختيار من أجل استعادة الوطن واستعادة الكرامة لكل لبناني يشعر بالإذلال والمرارة نتيجة الأداء المريع لمنظومة السلطة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل