#dfp #adsense

ثالوث مخايل عواد

حجم الخط

كتب المحامي ألبير يمين في “المسيرة” – العدد 1725 

ثالوث مخايل عواد

القضية اللبنانية، المارونية، المسيحية الحرّة!

وفقاً للمدرسة الوجودية التي شغُف بها مخايل عواد أكثر بكثير من المدرسة المثالية، يتقدم الشخص الإنساني بكيانه ووجوده، وتتقدم المواضيع الوجودية كالنضال، والشجاعة، والحرية، والإيمان، على مواضيع الأفكار والمعرفة والعقيدة. وبحسب تعليم Heidegger- مُؤسس الفكر الوجودي في القرن العشرين- الذي نهل منه مخايل عواد، النضال هو الأقرب الى حياة الإنسان. الفكرة نفسها موجودة في الكتاب المقدس: «بعرق جبينك تأكل خبزك». وقد سبق لHeidegger ومن بعده Sartre أن أشارا الى أن الإنسان كائن مرمي في العالم بين الموت والحياة ) être jeté dans le monde) وعليه أن يناضل ليقرر مصيره، ويحقق ذاته، ويصنع مستقبله.

كل المناضلين وجوديين بالفعل، إنما وجودية مخايل عواد فريدة من نوعها لأكثر من سبب:

أولاً: لا يُشبه مخايل عواد المناضلين القوميين الجماعويين الذين يُعلون شأن الجماعة التي ينتمون إليها على حساب الشخص، وعلى حساب أقرب الأشياء إليهم، عنينا شخصهم بالذات، فيُسقطون أفكارهم المسبقة على الواقع فيشوّهونه، كالقوميين العرب والقوميين السوريين. فمع أن مخايل عواد كان شغوفاً بمارونيته، وبالوجدان التاريخي الماروني، وبتاريخ الكنيسة المارونية وبطاركتها العظام، إلا أنه لم يتحول يوماً الى ذاك الإنسان الذي يسمّيه Heidegger «إنسان الجماعة» (The group man) أي ذلك الإنسان الذي تسيطر عليه جماعته وتخنق فيه حريته وكينونته، فلا تعود تَعرف – إذا حاورته – إن كنت تحاور فعلاً إنساناً حراً مستقلاً، أو أنك تحاور الجماعة التي تنطق من خلال ذلك الإنسان. لقد كان مخايل عواد ـ مع شغفه بمارونيته – شغوفاً أيضاً بالعقول الحرة في التاريخ، بقمم الفكر، وفي طليعتهم اللاهوتيين والفلاسفة الغربيين. وهو قد انتمى عقلياً، وبالفعل، الى تلك الجماعة التي يطلق عليها شارل مالك إسم «جماعة الأحرار»، في التراث الإغريقي – الروماني – المسيحي – الأوروبي – الغربي، وهي جماعة خاصة في التاريخ تعلو بقية الجماعات القومية الضيقة، إنها جماعة العقول الحرة أينما حلُوا، وفي أي عصرٍ وُجدوا، الذين استناروا بشعلة الحق، فقرأ لهم وحاورهم، وغرف من معينهم. تلك الجماعة هي الوجود بعينه ومن لا يدخلها يبقى خارج الوجود.

 

ثانياً: ولا يُشبه مخايل عواد المناضلين الماركسيين والشيوعيين الذين يُفسرون الإنسان والتاريخ والمجتمع تفسيراً مادياً بحتاً فيناصرون عالم المادة والعدم على حساب العالم الأعلى والأرفع، عنينا عالم الله.

لقد كان مخايل عواد مناضلاً وجودياً مسيحياً، وقد اجتمعت في شخصه المُكوِّنات الأرسططاليسية التي تجد إمتداداتها المسيحية من خلال مدرسة أنطاكية اللاهوتية المنافسة لمدرسة الإسكندرية، لتنبعث من جديد مع توما الأكويني ثم مع الفلاسفة الوجوديين المسيحيين المعاصرين أمثال Gabriel Marcel وJacques Maritin وKiergegaard الذين قاموا بردة فعل على التغيير الذي طرأ على الفلسفة بفعل Descartes – مؤسس الفكر الحديث – ومن بعده Kant.

ومن المعروف أن النقد الكانطي (نسبة الى كانط) هو الذي أدى الى النقد الماركسي، والفرويدي، والنيتشوي، ولقد قرأ مخايل عواد لكل هؤلاء وحاضر في كل هولاء.

 

ثالثاً: معظم المناضلين وضعوا الكتاب المقدس جانباً، أما مخايل عواد فقد كان مناضلاً مسيحياً، لقد كان المسيح البُعد النُهيوي لنضاله. وقد كان تأثره شديداً بنوعين من اللاهوت، هما:

1-لاهوت التحرير La theologie de la liberation)) الذي نشأ في أميركا اللاتينية وبالناطقين باسمه أمثال Gutierrez Gustavo وLeonardo Boff.

2-وباللاهوت السياسي (La theologie politique) بممثليه الكاثوليك وعلى رأسهم Metz واللاهوتيين الإصلاحيين أمثال Bultman.

في اللاهوت السياسي – الذي أحبه مخايل عواد – لا يكون الصليب فقط حدثاً لاهوتياً كونه جزءاً أساسياً في تاريخ الخلاص، وإنما أيضاً حدثاً سياسياً بامتياز. فالحكم السياسي على يسوع المسيح أدخل السياسة والإجتماع ـ من حيث لا يدريان – في عالم الله. هنا على السياسي المسيحي أن يُخرج السياسة من عالمها القائم على المساومات والأنانية ويجعلها في خدمة «الخير العام» (Le Bien Commun) ، فلا يعود هناك من فصلٍ قاطع في حياة السياسي المسيحي بين ما هو روحي وما هو سياسي، إنما حياة واحدة يعيشها ببعديها الروحي والمدني. نظرة مخايل عواد من هذا المنظار جعلته يقول يوماً: «على المسيحي أن يجعل واقعه مُصلياً خاشعاً، قائلاً في صميم وجدانه: لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض». الأمر الذي يُفسر حالة النضال الدائمة التي كانها وعاشها في عمره القصير.

 

وجودية مخايل عواد في لاهوت التاريخ  قادته الى الإختيار بين مدرستين:

المدرسة الأولى: قال بها القديس أوغسطينوس، وتعتبر أن التاريخ معركة غرفة عملياتها السماء، بحسب تعبير عواد.

المدرسة الثانية: قال بها Pierre Teilhard de Chardin  وتقول إن التاريخ معركة غرفة عملياتها الأرض. وقد أُعجب مخايل عواد بالمدرسة الثانية.

لا يمكنك أن تجد أمثال مخايل عواد إلا زمن المحن والأزمات، وقد شكل مع رفيق دربه النائب السابق إيلي كيروز ثنائياً رائعاً، وقد جمعهما النضال ضمن صفوف القوات اللبنانية منذ زمن بعيد في سبيل القضية اللبنانية، والحقيقة تُقال إنك لا تجد مخايل عواد إلا حيث يكون إيلي كيروز، والإثنان معاً لا تجدهما تحديداً، إلا:

1-عندما تعظم الحاجة الى قول الحقيقة وإعمال حس النقد عندما تجتاح الفوضى الفكرية كل شيء وتجرف كل شيء.

2-عندما تعظم الحاجة لمناهضة الهرطقات التي لا تُحصى في حياتنا السياسية اليومية، وعندما تنحدر السياسة الى أدنى مستوياتها فلا تعود قادرة على القيادة، فتحتاج الى مجموعة من القيم لإنقاذها من نفسها.

3-عندما يتيه المجتمع ويبحث عمن يخلصه من الطمأنينة القاتلة قبل أن يسقط من الداخل، والمجتمعات لا تسقط إلا من الداخل.

أما مواضيع النضال لدى مخايل عواد، فهي:

أولاً: المسيحية الحرة: وعى مخايل عواد باكراً ما ذهب إليه شارل مالك أنه إذا انتهت المسيحية في لبنان، إنتهى أمرها في كل آسيا وأفريقيا. فكما أن الإسلام حراً واليهودية حرة، المسيحية أيضاً يجب أن تبقى حرةً تقرر مصيرها بيدها ولا أحد يقرر مصيرها عنها. وحدها المسيحية الحرة يمكنها أن تكون عامل تقارب بين الإسلام واليهودية.

ثانياً: القضية اللبنانية: المسيحية الحرة هي قلب القضية اللبنانية، إنها قضية شعب يرفض الذمية ولا يريد لنفسه ما لا يريده لغيره.

ثالثاً: المارونية: إنها عنوان المسيحية الحرة، ولكم شغُف مخايل عواد بتاريخ كنيسته المارونية وأعلامها الكبار أمثال يوسف السمعاني، إبن بلدته حصرون، وميشال الحايك.

عندما يغيب الصديق يغيب فينا جزء من حياتنا ومن زمننا، وإن كان غيابه في الحضور. وإذا كان فخر الشعوب أوطانها، وفخر الأوطان مناضلوها، فقد كنت أنت من أبرز هؤلاء المناضلين.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل