ثلاثة عناصر يحاول اهل السلطة التلاعب بها في حمأة ما يعتبرون انهم ادوا قسطهم للعلى حياله بتسليم الرد اللبناني على النقاط التي حملها وزير الخارجية الكويتي إلى لبنان.
الاول يفيد بالرهان او اللعب على وتر ان دولا عربية لا توافق المملكة العربية السعودية او بعض الدول الخليجية الاخرى كالإمارات العربية والبحرين في موضوع البنود التي حملها الوزير الكويتي إلى المسؤولين بما من شأنه ان يضعف ردا عربيا شاملا قاسيا على لبنان. وهو ما يندرج وفق مصادر ديبلوماسية في إطار الرهانات او الحسابات الوهمية التي يدأب البعض من الافرقاء السياسيين على اعتمادها. اذ يرى هؤلاء في الانفتاح العربي ولا سيما من بعض الدول الخليجية على نظام بشار الاسد وعدم انضواء دول مجلس التعاون الخليجي تحت سقف الموقف السعودي في هذا الإطار ما يمكن ان ينسحب على لبنان. فالموقف السعودي رافض للتطبيع مع النظام السوري في حين ان هناك تفلتا خليجيا على هذا الموقف وكذلك بالنسبة إلى التفلت الخليجي من الموقف الاميركي الذي طلب من الحلفاء العرب عدم المسارعة إلى التطبيع مع الاسرائيلي وتوجيه رسائل خاطئة على هذا الصعيد. وهذا يعني ان دولا عربية قد تتفلت من موقف صارم وحازم يعاقب لبنان وفق بعض الانطباعات.
العنصر الثاني يتمثل في الاعتقاد بعمق ان الاعتبارات نفسها تسري لجهة الرهان على عدم وجود دعم دولي قوي للنقاط العربية او وجود ضغط كاف في اتجاهها. فهناك حكما الموقف نفسه ولكنه دعم ضروري وغير كاف ويحتاج إلى أكثر من الدعم الكلامي او السياسي إلى الدعم العملاني وذلك على رغم تأكيد رئيس الديبلوماسية الكويتية ان ما حمله هو مجموعة من النقاط العربية الخليجية والدولية. والذريعة في دحض دعم دولي قوي ينسجم مع عدم صدور موقف اميركي واضح في هذا الاتجاه على إثر اللقاء الذي عقده وزير الخارجية الاميركي انتوني بلينكن مع نظيره الكويتي قبل يومين من اجتماع وزراء الخارجية العرب في الكويت. اذ ان بلينكن اشاد بالدور الذي تلعبه الكويت على صعد متعددة وانه ناقش مع الوزير الصباح موضوع لبنان ولكن لم يصدر اي موقف واضح من البنود التي حملها الوزير الكويتي إلى لبنان. ويؤخذ الموقف الاميركي في الدرجة الاولى أكثر من الموقف الفرنسي نظرا للاقتناع بان واشنطن تحمل العصا فعلا أكثر من فرنسا او الدول الاوروبية. هذا على الاقل ما قرأه بعض المراهنين على ان الضغط في هذه المرحلة مرتبط بجملة عوامل اخرى بحيث تخفت مع تراجعها. فحول الضغط على لبنان في موضوع تنفيذ القرارات الدولية، فان الدول الكبرى نفسها ساهمت بوضع هذه القرارات على الرف بما فيها القرار 1559 الذي فرض تنفيذه اغتيال الرئيس رفيق الحريري والا كان اقصى ما يمكن ان يحصل خروج القوات السورية إلى البقاع. يضاف إلى ذلك ان هذه الدول وان كانت داعمة كليا للموقف الخليجي فأنها حريصة وفي هذا التوقيت بالذات أكثر من اي وقت اخر على عدم الانخراط في ضغط يزيد الوضع اضطرابا في لبنان او يكسره إذا صح التعبير نظرا للهشاشة البالغة التي أصبح عليها، وهذه ثغرة لمصلحة اهل السلطة في لبنان في اعتقاد هؤلاء بحيث يمكنها النفاذ منها بتداعيات غير شاملة عربيا ودوليا.
العنصر الثالث يكمن في الاعتقاد انه وكما توظف إيران “حزب الله” لتحسين اوراقها التفاوضية مع واشنطن حول ملفها النووي او القصف الحوثي على الامارات والمملكة السعودية من اجل تعزيز موقفها التفاوضي ايضا على الطاولة عبر التصعيد الميداني، فان ورقة القرارات الدولية تصب في خانة الضغط على إيران ايضا عبر استخدام الضغط على السلطة في لبنان ككل وليس على “حزب الله”. اذ يثير الديبلوماسيون المعنيون تساؤلات عن الحملات على الامارات مثلا من بيئة الحزب واعلامه فيما ان الامارات فتحت الابواب المغلقة على الحليف السوري وهي تستقبل الوفود الايرانية كما الاسرائيلية. فهذه الجبهة تتصدع وفق هذا المنطق ولا اي مستند لها اطلاقا في ضوء ذلك فيما تتردد الانعكاسات السلبية لذلك على لبنان في ظل اعتباره منصة تستخدم ضد الدول الخليجية.
ويقول الديبلوماسيون المعنيون ان لبنان الرسمي قد يكون محقا إلى حد ما بالنسبة إلى عجزه عن تنفيذ القرارات الدولية علما انه كان وافق عليها، ولكنه سيكون مخطئا جدا ازاء انقسام الموقف العربي والخليجي من ” حزب الله” وضرورة منع سيطرته على القرار اللبناني وتحكمه به. ولذلك وان اندرجت المبادرة الخليجية تحت عنوان طلب المستحيل من اجل الحصول على الممكن، فان الدول العربية وليس فقط الخليجية لديها مشكلة تحويل لبنان منصة ضد العرب وتدجين لبنان وطوائفه بدفعه إلى المحور الايراني. وهذه ايضا مشكلة المجتمع الدولي وان كان منشغلا بأمور كثيرة اخرى فيما انه يضغط على الدول الخليجية للمساعدة في انتشال لبنان الذي بدوره يتحصن اقله بالنسبة إلى السلطة المتحدثة باسمه وراء ذرائع تبرر ابقاء الحال على ما هي وتعجز عن الطلب من ” حزب الله” التزام عدم توريط لبنان في صراعات إيران ومصالحها. المكسب، إذا كان من مكسب لأهل السلطة في ذلك، هو خسارة مستمرة للبنان اي استمرار الانتقاص من سيادته في موازاة عدم حصوله على الدعم الخليجي فيما تتراجع القدرة على تقديم المساعدات للدولة اللبنانية وتغدو مقتصرة على بعض المساعدات للشعب اللبناني. ويسري الامر نفسه بالنسبة إلى ان احدا لن ينقذ لبنان من دون اصلاحات جذرية يتهرب منها اهل السلطة فيما ان الهيكل اللبناني بات متصدعا ويواجه لبنان ازمة بانهيار بنيوي لن ينقذه أحد إذا لم ينقذ نفسه.
