زمن محاسبة قايين لبنان أتى

ممّا قاله الرّب لقايين في الفصل الرابع من سفر التكوين، من العهد القديم في الكتاب المقدّس، بعدما قتل أخاه هابيل، “مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ. مَتَى عَمِلْتَ الأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا. تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ”. كم بالحري إذا كانت منظومة فاسدة ومنظّمة مسلّحة غير شرعيّة تقتلان شعبهما ألف مرّة كلّ يوم؟ هل سيستطيع اللبنانيّون محاسبتهما في ظلّ المتغيّرات الدوليّة؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان البلد الصغير بمساحته، كبير باهتمام الدول به. ومن هنا تأتي أهمية القرارات الدولية، لا سيما الـ1559 و1680و1701. غير أن اليوم، القرار 1559 يعود إلى الواجهة من جديد مع ازدياد الحديث في دوائر القرار الأميركي عن مخططات لتنفيذه، ولو جزئياً. ولعل هذا ما يفضي إلى استنتاج مفاده أن المنطقة مقبلة على تغييرات حتميّة بعد تبدل الأولويات الدولية فيها. ولا خوف من تفلّت الأمور وجنوحها نحو حرب مدمّرة، لأن الحرب بحاجة لأكثر من طرف، وهذا ما ليس موجوداً في الداخل اللبناني. فمَن يرفض الآخر المختلف ويسقط عليه صفاته الإلغائية، وحده الذي يريد الحرب.

وبالطبع نعني هنا حزب الله، الإلغائي الأول، الذي قام بقمع جبهة المقاومة الوطنية اللبنانيّة “جمّول”، التي ولدت في 16 أيلول  1982 إثر الاجتياح الإسرائيلي، والتي أطلقها المناضلان جورج حاوي ومحسن إبراهيم. وتحوّلت “جمّول” لاحقًاً إلى جبهة وطنية واسعة ذات طابع شعبي وعسكري، شكَّل مظلة لمجموعة من الأحزاب والقوى متعدّدة الإنتماءات الطائفية. وبعد النتائج التي حقّقتها هذه المقاومة بانسحابين إسرائيليين، الأول إلى صيدا، والثاني في شباط 1985 إلى الشريط الحدودي الذي بقي خاضعًا منذ العام 1978، بدأ حزب الله بمواجهتها.

وبعد نشوء حزب الله رسمياً وإعلانه في رسالته الأولى في 16 شباط 1985 ملتزماً في بيانه التأسيسي “بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسّد في ولاية الفقيه، وفي آية الله الموسوي الخميني”، طلب بعدها من المقاومة الوطنية حلَّ نفسها لمصلحته، وبعدما رفضت ذلك، بدأت عمليات الاغتيال مع خليل نعّوس و 25 كادراً سياسياً وعسكرياً من كوادر هذه الجبهة، تزامنت مع اضطهادات واسعة لأعضائها، حتّى توصّل الحزب عملياً إلى إلغائها. فمَن هو الإلغائيّ بامتياز؟

هنيئاً لهذا الحزب صاحب التاريخ الإلغائي الذي لم يوفّر حليف اليوم، أي رئيس مجلس النواب نبيه بري، في معارك إقليم التفاح. لكنّه فشل، حتّى عندما ساعده الإسرائيليّون وفتحوا لمقاتليه ممراً آمناً من البقاع الغربي لينقضّ على حركة أمل، فتوصّل بنهاية المطاف إلى صياغة قواعد اشتباك بينه وبين الحركة لا تخرج من تحت العباءة الشيعية. فجسّدا الصراع الإيراني السوري في ثمانينيّات القرن المنصرم بأبهى حلله، وسقط آلاف الضحايا في حرب الإخوة، بينما الغاصب الإسرائيلي كان يسرح ويمرح في الأراضي اللبنانية وحزب الله يدّعي مقاومته. ليحتفل يومها الحزب بانتزاع الضاحية من الحركة، ولتحتفل هذه الأخيرة بانتزاع الجنوب وإقليم التفاح منه.

لإنعاش الذاكرة فقط، هل سأل حزب الله حليفه بشار الأسد عن دماء الـ21 عنصراً الذين قتلهم الرائد جامع جامع خليفة في ثكنة فتح الله في 25 شباط 1987؟ هل نسي حزب الله كيف أدخل إلى الضاحية الجنوبية الجيش السوري في 27 آذار 1987 بعد الاتفاق السوري ـ الإيراني؟ هل نسي معارك محور جباع ـ جرجوع في إقليم التفاح وجبل صافي في 8 كانون الثاني من العام 1989 التي انتهت باتّفاق عرف باسم اتّفاق “الشرع – ولايتي” بين وزيري خارجية سوريا وإيران؟ هل يذكر معارك الجنوب في  مطلع حزيران من العام 1989 ليتّفق الإخوة ومن ثمّ لتعود المعارك بينهما في شهر أيلول مرّة جديدة؟ ليتّفقا مجدّدًا بعد نهاية الحرب الأهلية في العام 1990 على اقتسام النفوذ والحفاظ على قواعد الاشتباك بينهما، التي لم تخلُ حتّى يومنا هذا من الصراعات الميدانيّة وآخرها في بلدتي الصرفند واللوبية الجنوبيّتين؟

هذه الإسقاطات التي حاول نائب الأمين العام لحزب الله إسقاطها على حزب القوات اللبنانية، إن بحرب الأخوة أو الإلغاء، لا تنفع على جبهة الصناديق الانتخابية، لأن تاريخ حزبه معروف بالإلغاء ومصبوغ بدماء أخيه، ولا يزال حتى اليوم يمعن بقتل إخوته في الوطن. فهل نسي سماحته أن المحكمة الدولية أصدرت حكماً على سليم عياش العنصر في حزبه؟ نذكّره بدماء شهداء ثورة الأرز ما بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري وحتى اغتيال الناشط لقمان سليم. ألم يكن يعلم؟

ذلك كلّه من دون القفز فوق دماء الشعوب العربية التي شارك في إبادتها، من سوريا إلى العراق فاليمن. لكن القرار اليوم بيد اللبنانيّين. هم مدعوّون على اختلاف انتماءاتهم إلى أن يحاسبوا هذا النهج الذي ما فتئ يسقط صفات العمالة على غيره وهو الذي لعق الجزمتين السورية والإيرانية ليلغي إخوته في ملّته نفسها، وليقوّض مجموعة حضارية ثقافياً واجتماعياً ودينياً ينتمي إليها، وليخرجها من صلب الكيانيّة اللبنانيّة. ومهما كانت المتغيّرات الدولية والإقليمية، فالكلمة الفصل هي للحريّة. إمّا أن نكون أو لا نكون. ولا يزال الحزب حتى الساعة مستمراً بتغطية المنظومة الفاسدة ليكون معها شريكاً مضارباً في إفقار اللبنانيّين جميعهم، وقتلهم مئة مرة كل يوم وأكثر. نحن نريد أن يكون هذا الحزب كغيره من الأحزاب في لبنان، سياسياً ولبنانياً بامتياز؛ لكن هذا ما لا يريده هو نفسه. إذاً، مَن الذي لا يريد  لبنان الـ10452 كلم2؟

المواجهة فُتِحَت على مصراعيها مع كل الذين لا يريدون لبنان، والحزب وكل مَن يحالفه أخرجوا أنفسهم من لبنانيّتهم خدمة للأهداف الأيديولوجية الخاصة بولاية الفقيه. هؤلاء وجب مواجهتهم حتى النصر عليهم بصناديق الإقتراع، وإعادة تثبيت الوجودية اللبنانية في صلب العالم العربي والعالم الحرّ.صحيح أن الأوقات المقبلة صعبة. لذلك المطلوب كما قال الشاعر الهندي “طاغور” أن نصلّي،”لا من أجل أن نكونَ بمأمنٍ من المخاطرِ، بل حتّى لا نعرف الخوفَ حينَ نواجهُها.” ومَن يجرؤ… فلينضمّ!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل