من المركزية الفاسدة الى اللامركزية البنَّاءة… در!

كتب النائب جورج عقيص في “المسيرة” – العدد 1725

لم يكن نظام الحكم في لبنان، منذ نشأته، وليد اتفاقٍ شاملٍ وهادئ وصريح بين اللبنانيين، بل هو نشأ وتحوّل وتأثّر بفعل إراداتٍ خارجية أو أحداثٍ ظرفية حَكَمَت مصير الدولة والشعب طيلة عقود، فعوضَ أن يكون الشعب مقرّر النظام، كان النظام المتفق عليه خارج الإرادة الشعبية هو مقرّر مصير الشعب.

قيام لبنان الكبير كان ثمرة إصرارٍ ماروني قابله ـ بالتسلسل الزمني ـ معارضة ثم تحفّظ ثم مهادنة إسلامية، ما لبث أن تحوّل الى ميثاقٍ وطني من صناعة شخصين: بشارة الخوري ورياض الصلح، وذلك في لحظة تحوّل دولي واكبت الحرب الكونية الثانية.

أما إتفاق القاهرة الذي مهّد الطريق للحرب الأهلية الكبرى في لبنان، واتفاق الطائف الذي أنهاها، فكانا صناعة أجنبية أكثر ممّا هما إنتاجاً محليّاً، أمليا على اللبنانيين وفرضا عليهم فرضًا، الأول لشرعنة الوجود الفلسطيني في لبنان، والثاني لشرعنة إطلاق يد السوري على الحكم فيه بعد العام 1990.

لم يكن لبنان الكيان والدولة والنظام يوماً إرادةً لبنانية جامعة. كان ينقصه على الدوام إلتزام تام بنهائيته كوطن لجميع أبنائه، هذا النقص الذي تمّ التعويض عنه بالتزام كل جماعة طائفية بطائفتها، فغدا لبنان شراكة بين شعوب، وفيدرالية طوائف واقعية، ولو غير معلنة، عوض أن يكون وطن تسمو فيه المواطنة والإنتماء الى دولة ونظام على شعور الإنتماء الى عائلة روحية تحيا على التحالفات الجزئية والخصومات الجزئية.

فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من كل العيوب الموضوعية التي شابت إنشاء لبنان الكيان منذ العام 1920 حتى العام 1990، كان بالإمكان تصحيح كل تلك العيوب عند انتهاء الحرب اللبنانية لو استطعنا وقتذاك تأمين ثلاثة:

1-مصالحة شاملة بين اللبنانيين، بمعنى الإقرار بأخطاء الحرب وتنقية ذاكرتها والإعلان الجماعي لإرادة العيش معاً.

2-محاسبة للمسؤولين عن الحرب.

3-تنفيذ كامل ما اتُفق عليه في الطائف، وتحديداً لجهة سحب كل السلاح غير الشرعي لا سيما سلاح «حزب الله».

إلا أن ما حصل بعد الطائف هو العكس تماماً: فلا المصالحة الحقيقية حصلت، ولا المحاسبة الشاملة تمّت ـ بل كانت إنتقائية إنتقامية طاولت حزب «القوات اللبنانية» فقط ـ في حين تمّ اختراع مقولة سلاح المقاومة وموجب قتال إسرائيل لتبرير بقاء «حزب الله» مسلّحاً وفتح كل الطرق أمامه لزيادة ترسانته وترسيخ سطوته على كل مفاصل الدولة.

أهدرنا 30 عامًا وأكثر من دون أدنى محاولة جدية لتصحيح أخطاء السبعين الأولى (1920-1990)، بل على العكس من ذلك، زدنا على إخفاقات السبعين الأولى إخفاقات إضافية. فاستبقينا النظام الطائفي الزبائني المركزي وزدنا عليه آفات جديدة مثل الدويلة الإيرانية داخل لبنان وتفاقم الفساد وعدم المحاسبة، بالإضافة الى تشابك الصلاحيات الدستورية، وزيادة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

 

هل ما زال إصلاح النظام اللبناني متاحاً؟

بالتأكيد، ولكن بعد قلب الأولويات: بحيث يصبح حلّ معضلة إحتلال «حزب الله» للدولة الأولوية الأولى من خلال حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وتحرير الدولة اللبنانية من الإحتلال الإيراني.

لا مجال للبحث بأية حلول جذرية للكيان اللبناني قبل حلّ الدويلة وتحرير الدولة. كل بحث جدّي عن معضلات نظامنا في ظلّ السلاح غير الشرعي هو تشريع مقنّع له وإقرار غير مباشر بأحقية وجوده.

يسقط كل المطالبين ببحث تحديث النظام حاليًا، من حيث يدرون أو لا يدرون، بفخّ شرعنة سلاح «حزب الله». وهذا ما يجب الإقلاع عنه فوراً.

إن كل الجهود السياسية والشعبية يجب أن تنصبّ على مسألة إنهاء حالة السلاح غير الشرعي من خلال ما يلي:

1-خوض الانتخابات النيابية ببرنامج من بندٍ واحد: مواجهة الإحتلال الإيراني، ومحاولة كسر هيمنة «حزب الله» على الأكثرية النيابية، وهذا شرط لازم لنجاح المواجهة.

2-زيادة منسوب الضغط لتسويق مبادرة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي المبنيّة على أساسي إعلان حياد لبنان وعقد مؤتمر دولي حول لبنان مهمّته ضمان تنفيذ القرارات الدولية ذات الرقم 1559 و1701 المتعلقة بلبنان.

3-إستكمال معركة مكافحة الفساد بحيث نسقط حليف السلاح الأساسي وهو الفساد.

بعد كل ذلك، يأتي الحديث عن تحديث النظام وتطويره، وحتماً يحتاج نظامنا الى إصلاح وتحديث.

يستلزم ذلك خارطة طريق واضحة، تردّ على هواجس جميع اللبنانيين وتحافظ على تعددية المجتمع اللبناني، وهو مصدر الغنى الأساسي الذي لم نحسن يوماً الإستثمار فيه.

كيف نجنح من المركزية الفاسدة الى اللامركزية البنّاءة؟

من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد المنتج؟

من الإنماء الإستنسابي الى التنمية المستدامة؟

من المحافظة على حقوق الطوائف الى تعزيز الجدارة والكفاءة في نظام ضامن؟

من تعطيل المؤسسات الدستورية الى تمتين عملها وانتظامه في أجواء من المسؤولية والتعاون؟

كل تلك الأسئلة مطروحة للبحث بين قوى سياسية متساوية الحقوق والقدرات.

ولـ»القوات اللبنانية» إجاباتها التي نأمل أن يكون أوان طرحها قد اقترب.

 

جورج عقيص – نائب في البرلمان اللبناني

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل