#adsense

لبنان: إصنعوا ذلك لأبعث حياً

حجم الخط

حين تَصدقُ الوطنية، يُصبحُ السّلوكُ مُفعَماً بقِيَمِ الحقِّ والصّدق، وبالمقابل، فالخيانةُ مظهرٌ ثابتٌ من مظاهرِ التَّزويرِ الخُلُقيّ، لا يأتيها إلّا الضَّعيفُ الذي لا يوزَنُ له رأيٌ في القيمة. والخطيرُ أنّ الخيانةَ ليسَت مزاجيّة، فهي تتأتّى إمّا بعدَ غسلٍ للنُّخاعِ ليُكرِمَ وفادةَ العمالة، وإمّا بتأثيراتٍ نَفعيةٍ تعطِّلُ مواقعَ الإنتماءِ في أسلاكِ العقل، والوجدان، فينكمشُ الولاءُ، ويتقاعسُ الوعيُ الوطنيُّ عن واجبِهِ في تمتينِ الإقتناعِ بالعلاقةِ مع الوطن.

الثّابتُ الباهِرُ في الوطنيّة، أنّ الحقيقةَ، معها، ليسَت نِسبيّةً، كما في سائرِ القضايا التي تختلفُ، فيها، آراءُ الناس، وتتباينُ مواقفُهم، وتَتَعاكَسُ إستنتاجاتُهم، وهذا حقٌّ ديمقراطيٌّ لا يمكنُ تَجاوُزُه. غير أنّه ينبغي، في مسألةِ الوطنيّة، أي في ما يتعلّقُ بموضوعِ الإنتماءِ والولاء، تحديداً، أن يكون التّصديقُ واحداً، عاماً، وخارجَ إطارِ المجادلةِ الخاضعةِ للأهواءِ، وللأمزجة، ذلك لأنّ مفهومَ الوطنيّةِ ينتمي الى مطارحِ الحقيقة الكليّةِ، تلك التي يمتدُّ على مقاطعِها ظلُّ الدَّوامِ المُطلَق، والتي ترفضُ زخرفةَ المساحيق.

الوطنيّةُ لا تسكنُ في أيِّ قالب، وليسَت منسوجةً على شكلِ أيِّ نموذج، لذلك، هي أعمقُ من أن يوضَعَ لها مقياسٌ ضابِط، إنّها انتصارٌ لجمرةٍ بِلا انطفاء، حيثُ يستوي الفرقُ بينَ الطُّهرِ والرّذيلة، أو بين الأمانةِ والسُّقوط. من هنا، فالخَيبةُ التي تنسحبُ على إحساسِ الوطنيّة، والتي لا يمكنُ تمويهُها، تبدو في الإعترافِ بأنّ أَخبثَ الشَّجرِ هو ذاك الذي يُثمِرُ الخَوَنَة. فالخيانةُ هي توطينُ النّفسِ في طقوسِ الذّبائح، وفي أخلاقِ الخطيئة، حيثُ الوطنُ، معها، خُرافة.

إذا كان المواطِنُ، في تحديدٍ تتَّفِقُ عليهِ كلُّ المنابر، هو فِلذةٌ من جِذعِ الوطن، بينهما صفاءُ وِداد، فكيفَ يأنسُ الى طُغاةٍ من الأغرابِ يسوسونَ البلدَ بالحَرام؟ وكيف يتهلَّلُ وجهُهُ لطارئينَ حوَّلوا الوطنَ أشدَّ الأمكنةِ بُؤساً، وظلماً، واستهتاراً بالحقوق، وتلطيخاً للكرامة، وتدنيساً للعدلِ، وسَحقاً للهويّة، ما أعادَه الى أزمنةِ العبوديّة؟ في حين، كان حَرِيّاً بهذا المُواطنِ “المُقيم” أن ينسجَ رفضاً لعصرِ الذّنوب، والقَمعِ، والإستبداد، ويهاجمَ انتهاكَ السيادة، واقترافَ الجَور، ويرشقَ بالحَرَمِ مَنْ خَرَّت جباهُهم أمامَ سَطوةِ مُغتَصِب، وباعوه أنفسَهم الدنيئةَ، بالخيانة، بأقلَّ من فِلس.

إنّ الباردَ النّفسِ مع الوطن، لا يعلَمُ أنّ الهويةَ لا تَطيبُ إلّا بالولاء، وأنّ تعزيزَها يُمَتِّنُ مبدأَ الإنتماءِ الذي يُنَسِّجُ مفهومَ التّعاقدِ المُواطِنيّ، أو الدَّمجِ الكيانيّ، حيثُ لا مُزاحم للرابطة الوطنيّة. والبديلُ، مع الخائن، هو انتكاسةُ الأمانةِ للوطن الذي يَكمَدُ بذُيوعِ الشّرورِ، وإعصارِ الشياطين. فالوطنُ الذي هو أَشرَفُ الأحباب، لا يُصانُ إلّا بالوفاء، ولا يُنصَرُ إلّا بالإخلاص، ولسنا مُغالينَ إذا قُلنا : إنّ الوطنَ أَحلى من الجنّة.

إنّ الغدرَ بالوطنِ هو الجَيبُ المرقوعُ في رداءِ الخيانة، وهو نهجٌ مُنحازٌ الى سلوكيّاتِ الشرّ، والعار، والى ثقافةِ السّوءِ، والإثم، فمعيارُ الغدرِ هو تَصَدُّعُ الوعي الوطنيّ، ودمارُ الأُسُسِ التي تُبنى عليها منظومةُ الولاء. من هنا، لا نستهجنُ أن يطعنَ الخونةُ بسمعةِ البلاد، وأن يصلَ بهم حقدُهم الى كراهيّةٍ مُهينة، وأن يعملوا على إثارةِ الضّغائنِ، إنضاجاً لمشروعٍ إنقلابيٍّ مشبوهٍ، يقضي على الكيان، ويرشّحُ الواقعَ لنكبةِ التَآمر، والتَّدجينِ بالتَبَعيّة، ويُخضِعُ الوطنَ لِما وراءِ حدودِ خارطتِه.

إنّ تنشيطَ الضَّرَرِ المُشَوِّهِ الذي يطالُ سلامةَ الأرضِ والناس، أُدمِجَ في قناعاتِ مَنْ دائرةُ الشكِّ في مصداقيّةِ ولائِهم واسعة، واستقامةُ القلبِ في ذواتِهم مُفلِسَة، وسفاهةُ الخُلقِ في سلوكِهم رائجة، فكانوا مِطواعينَ لصائِغي الإستعمارِ الجديد، الذين يسعَونَ الى رَميِ لبنانَ في أشداقِ غُزاةٍ يُعيدونَه الى نظامِ الإمبراطوريّاتِ البائدة، والثيوقراطياتِ الرّاكدة. والمُهينُ أنّ هذا البعضَ في الدّاخلِ، وفي هَذَيانٍ أَرعَن، يتطلَّعُ في اتّجاهٍ واحدٍ، مُتَواطِئٍ مع الخارجِ الذي يُعَجِّلُ في المنحى الإنحداري الكيانيّ لوطنِنا، وفي انهيارِ مقوّماتِهِ على الأصعدةِ كافةً.

لا يمكنُ الجَزمُ بأنّ أيَّ إرشادٍ تَوعَويّ، أو أيَّ تنبيهٍ لإيقاظِ الحميّةِ الوطنيّة، أو أيَّ سَعيٍ لِرَتقِ الخَرقِ في ثوبِ التّرابطِ والتآزُرِ، للإنتصارِ لقضيةِ الحقِّ في الوطن، سوفَ يُؤدّي، سريعاً، الى تضامُنِ أناسٍ ليسوا مفطورين على التّعاونِ، في الأساس. فشرائحُ النّسيجِ المُجتَمَعيِّ، عندَنا، متلاقِحةٌ نظريّاً، مُتبايِنةٌ عمليّاً، وفي الحقباتِ المأزومة، خصوصاً، ويرفضُ بعضُها المُتَطَرِّفُ التحوّلَ من تَشَرذُمٍ سرطانيٍّ الى غيريّةٍ عفيفةٍ مطلوبةٍ، ما يُغَلِّبُ طابعَ الجنايةِ على مِلفِّ علاقتِه بلبنان، إذ إنّه لا يَعبأُ بمصيرِه، ويتآمرُ على سلامتِه، ويَعتدي على سيادتِه، ولا يتوانى عن سَفكِ دماءِ بَنيه.

لكنَّ التّعافيَ الذي يحلمُ به الأنقياء، ويدعمُهُ الأشقّاءُ والأصدقاء، وإنْ كانَ الحديثُ، بشأنِهِ، في غيرِ أوانِه، هو ما يريدُهُ لبنانُ، حتماً، لأنه الخيرُ المُطلَقُ الذي لا يمكنُ أن يتحقَّقَ إلّا بصدمةٍ نوعيّةٍ تُعيدُ الوعيَ الى ذاكرةٍ أَلقَت البلادَ في نسيانِها، وبهزّةٍ جريئةٍ يبدِّدُ صداها أحلاماً عَفِنَة، وبصرخةٍ مُدَوِّيةٍ فيها ملمحُ الشُّموخ، وعلى إيقاعِها، فقط، سوف يُبعَثُ لبنانُ حَيّاً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل