#dfp #adsense

لبنان والخوارج الجدد

حجم الخط

كتب المحامي فايز قزي في “المسيرة” – العدد 1725

لا يا أمين «حزب الله»، فأهل بيت الإمام علي العامليين والصدريين والتقدميين المدنيين مع اللبنانيين والعروبيين كلهم لن يتعايشوا مع الخوارج الجدد بل هم طليعة المقاومة اللبنانية والعربية للغزو الفارسي الجديد.

عندي شعور ممزوج بالقلق والتساؤل في كل مرة أكتب لـ»المسيرة». فلا هي كانت حاضرة في انطلاقتي، ولا أنا كنت معجباً بمسيرتها. ومرَّ زمن طويل  قبل أن نلتقي. بدأت عندي بتجارب تحولت مستحيلة، أفرغتها من ذهني وأطعمتها لحبر كتابي الأول «من ميشال عفلق الى ميشال عون».

وتطورت علاقتي بـ»المسيرة»، على أثر تعقيب قائد المسيرة نتيجة قراءته الكتاب مذكراً بحكمةٍ معزية ومرحبة بقوله: «ليس من المهم من أين يبدأ الإنسان بل الى أين ينتهي». وأنا اليوم أوقع هذه الحكمة لأقول لساكن بعبدا المهم الى أين أوصلت البلد ووصلت. لقد قلتها أنت «الى جهنم».

أفرغت تجاربي في كتب أربعة، كانت محطات سياسية بلغت حدَّها حالة الضجر من طول السفر السياسي، فنزلت في محطتي الخامسة متأبطاً كتابي الأخير، واصفاً عون بأنه «حارس قبر الجمهورية» وصارخاً مع الشاعر محمود درويش: «أنزلني هنا إنني تعبتُ من السفر».

اليوم، أشعر أن لبنان هرمٌ مثلي، ولكنَّ هرمه عندي بعيد في الزمن، وقد قرأت وكتبت عنه قبل المشيب، وأعيش معه، مثل أهله وساكنيه أمراض الشيخوخة والموت.

نعم، إنها الحقبة الأكثر خطورة والحاسمة والتي لم يسبقها شبيه.

لقد مرَّ لبنان وشعبه وشعوبه بتجارب غزو واحتلالات عديدة منذ العثمانيين حتى اليوم. وانقضت تجاربه منذ الإمارة المعنية مروراً بالقائمقاميتين والمتصرفية والوصاية الفرنسية والإستقلال. وتعايش مع الأطماع الإسرائيلية والمشاريع الناصرية والفلسطينية والسورية حتى العام 2005 وخروج الجيش السوري، ليترك رهينة للغزو الإيراني الذي تسلل إليه منذ الثورة الإسلامية في إيران 1979.

ولم تمضِ السنوات التالية إلا وشعر اللبنانيون أن الغزو ولّد واستولد تنظيماً عسكرياً، عناصره لبنانية مطعّمة بالحرس الثوري الإيراني، يدربها ويرعاها مالياً وعسكرياً وسياسياً وشرعاً، فتنمو تحت عباءة المقاومة التي ألغت كل المقاومات السابقة للأحزاب التقدمية واليسارية في لبنان ولم تنجو منها حتى أفواج المقاومة اللبنانية «أمل».

نعم تمخَّضت الثورة الإيرانية، فولّدت في لبنان فرقة لجيشها سمته المقاومة الإسلامية في لبنان الذي احتكر فعل عسكرة مركزة على أبناء الطائفة الشيعية الملتزمين بمرجعية الولي الفقيه الإيراني، وتسرّب أبناء هذا التنظيم الى مجلس النواب فيما بعد، ثم لاحقاً الى تولّي المناصب الوزارية وبعدها الى مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية كافة.

ربما أستعيد في هذا المقال ما قرأت وكتبت منذ سنوات عديدة وفي الإعادة إفادة.

الوثيقة الأولى لـ»حزب الله» صدرت عام 1985 ونصت: «من نحن وما هي هويتنا».

«إننا أبناء «حزب الله»، نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم».

«وإننا أبناء أمة حزب الله التي نصرًّالله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم».

«نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة، تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط…».

«وعلى هذا الأساس، فنحن في لبنان لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً.. بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في أنحاء العالم كافة، برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام…».

«وان ما يصيب المسلمين، في أفغانستان أو العراق أو الفيليبين أو غيرها، إنما يصيب جسم أمتنا الإسلامية، ونتحرك لمواجهته إنطلاقاً من واجب شرعي أساساً وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد».

وتضيف الوثيقة:» أما قدرتنا العسكرية، فلا يتخيلن أحد حجمها، إذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا».

هذه الأفكار المبدئية تحمل الجواب المباشر الذي نَقَلتْهُ أدبياتُ «حزب الله» في خطابات رؤسائه المتعاقبين وعناصره ومسؤوليه وقيادته.

وكما قال أمينه العام في أكثر من خطاب: «إن المبادئ التي نؤمن بها لا تتغيّر ولا تتعدل بل مواقفنا السياسية فقط قابلة للتغيير والتعديل».

ولقد شرح نعيم قاسم في كتابه «حزب الله» تفاصيل ما كرسته الوثيقة أعلاه مؤكداً: «إن «حزب الله» جاء الى المقاومة من الإسلام» وليس من أي موقف عربي قومي أو لبناني وطني. وعلى الأرجح أنه جاء إلى المقاومة من الفارسية.

وهذه المبادئ التي وردت في وثيقة تأسيس الحزب جاءت في الدستور الإيراني الذي وضعه الخميني وقد ورد في مقدمته وتحت بند القوات المسلحة: «وليست القوات المسلحة الإيرانية مسؤولة فقط عن حفظ نظام الثورة الإسلامية في إيران فقط بل نشرها في العالم».

يعاني لبنان أكثر من باقي دول العالم هذا الغزو العسكري الإيراني، ولكن بصورة أشد خطراً داهماً على استقلاله وسيادته وهويته وكيانه ونظامه مما يعيد الى الذاكرة تجربة إحتلال الشاه الفارسي عام 1925 لإمارة الشيخ خزعل في الأحواز، وتحويلها بفعل ذوبان الهوية العربية وفرض اللغة الفارسية والغزو الإيراني الديمغرافي لتصبح محافظة إيرانية فارسية الهوية واللغة. بعد أن كانت دولة عربية مستقلة حدودها وسكانها مثل دولة لبنان.

في لبناننا اليوم يريدنا قادة «حزب الله» أن نتهيأ لإعلان مشابه وتكرار تجربة الأحواز. ولا يترك أمين عام الحزب وقادته وعناصره وحلقات أتباعه ومؤيديه وخاصة المنتفعين السياسيين والماليين من عطاءاته ودعمه وتفاهمه وحضانته لهم، ممارسة التحضير لإشهار لبنان وقد اكتمل نضوج مشروع ضمه الى تهديد كل مكوّناته وطوائفه، والشيعة في طليعتهم، بالبحث عن وطن خارج لبنان الذي حوّلوه الى «وطن المقاومة» بدل وطن الأرز.

لقد كتبت كثيراً عن «حزب الله» ونبّّهت الى المصير السيّئ الذي قرأته في الدستور الإيراني عن مهمة القوات المسلحة الإيرانية. وذهبت الى المبالغة، فأعلنت وطالبت العالم والأمم أن لا تضيِّع الوقت في البحث عن قنبلة إيران النووية في البر الإيراني بل في نصوص الدستور الذي يخبئ سلاح الدمار الشامل وهو أشد وأدهى ويأخذ العالم كله الى الحرب الكونية.ولمناسبة بدء السنة الجديدة كان خطاب حسن نصرالله الأخير في 3/1/2022، في ذكرى قاسم سليماني الذي اغتالته أميركا في بغداد، واضحاً وحاسماً وصريحاً وصادقاً في معادلة ذهبية جديدة سيفرضها على عون بعبدا وميقاتي السرايا وبري عين التينة وخاصة بطريرك بكركي ومشروع حياده:

«إذا كنتم ترغبون في إحراجي بطرح الاستراتيجية الدفاعية وتلوّحون بمنع سلاحنا وتهوّلون بحياد لبنان، فإنكم أمام صيغة جديدة أكثر تشدداً سنطالبكم بالاستراتيجية السياسية واعتماد مقاييس جديدة:

لا حياد تجاه العدو أميركا وإسرائيل والسعودية.

ولا توازن سياسيًا وميثاقيًا بل أقلية مسلحة ومتحكمة.

ومؤخراً وبعد أن جمَّد نصرالله موقتاً التحقيقات في تفجير المرفأ والتي بدأت تدق أبوابه وارتكب عن سابق تصوّر وتصميم غزوة عين الرمانة التي أسقطتها مقاومة «الأهل» ودعم «القوات اللبنانية»، فإنه لن يتراجع عن إستعمال كل الأساليب والوسائل الضاغطة والقاهرة لإفشال الانتخابات أو تفريغها وإلا تعطيل مفاعيله بما يملك من أدوات ومرتزقة وحلفاء، ولعله يحضر أكثر فيستغل إنشغال اللبنانيين بجنس المرشحين للانتخابات النيابية، عن مواجهته ويستفيد من تحفظ العالم الخارجي بالبحث عن تعطيل مصانع التخصيب الإيراني النووية فيُصدق أن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحلية والدولية باتت حاضنة قابلة لإعلان لبنان ولاية إيرانية بإرادة شعبه المقهور والمظلوم بشبه انتخابات وشبه إحصاء.

لكن التيار السيادي الذي بدأ يتكوَّن سيتحوَّل بسرعة الى مارد وبعل يَفُضُّ عقمنا وصمتنا ويحوّل أحلامنا الى ثورة ومقاومة تستلهم من تاريخنا قوة لا تقدر عليها عناصر «حزب الله» ولو فاق عددهم الماية ألف.

أما إذا نضج مشروعكم ونفد صبركم وتستعجلون إعلان لبنان ولاية أو تابعاً لولاية فقيهكم الإيراني، فأنتم في دولة لبنان الوطن المستقل السيد.

وإذا كان حزبكم ثورياً في إيران، فإنه محتل في لبنان، وطلاقنا منكم يقوم على ثلاث مستحيلات: لبنانية وطنية الهوية، وعربية قومية الهوى، وشيعية عاملية علوية التقليد والولاء المذهبي.

وهكذا نحن اليوم نعيش أمام معادلة باتت واضحة وسؤال طرحه جدودنا وأبطال إستقلالنا وشهداء مقاومتنا وعنفواننا ومصححو بوصلاتنا في العيش الكريم ورفض الإحتلال والذمية لنقول بصوت عالٍ وعنفوان ورثناه ونتشبثُ به بصلابة صخرة صوان نهر الكلب وشموخ جبالنا. إننا نفهم تعذر فهمكم لخصائلنا وتصحيحاً لطرحكم نقول:

لا تستطيعون تركيع شعب لبنان، وسنحوِّل انتخاباتنا النيابية في أيار المقبل ممارسة عَمَلٍ مقاوم لا مجرد حق سياسي. وسنهزم الفراغ الذي تؤمِّلون به حلفاءكم ليستمروا على كراسيهم ظالمين.

ولا مكان لسلاحكم في دولة لبنان العربية الديمقراطية البرلمانية.

نقول هذا، وعلى طريقة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، لبعض الخوارج الذين لم يخرجوا على أمير المؤمنين «كعرب بل مسلمين»، وكانوا مثلكم حزباً ثورياً إذ خاطبهم قائلاً: «إنني قد علمتُ أنكم لم تخرجوا بخَرجِكم هذا لطلب دنيا أو متاعٍ، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها».

وكما أهلك الإمام علي الخوارج، فإن أهل بيت الإمام في لبنان مع كل طوائفه وأطيافه سوف ينتصرون ويُفشِّلون إعلان ولاية «حزب الله» الإيرانية في لبنان لأنها إيرانية بالعقيدة والنهج والأمرة كما الخوارج وليس لأنها إسلامية كما تزعم.

 

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل