
اللّبنانيّون الذين انتشروا في بقاعِ الدّنيا، هم العِقدُ الأَثمَنُ الذي طُوِّقَ به عُنُقُ الوطن، لأنهم كانوا المظهرَ العالميَّ لصورةِ لبنانَ النقيّ، ينشرون دعوتَه في أقطارِ الأرض. فالوطنُ، معهم، هو عمقُ عَصَبِهم الحادّ، له في وجدانِهم سُنَنٌ وطقوسٌ لم يقطعْ رأسَها نَصلُ البُعد، إنّه مِلَّةٌ روَّضَتهم الهجرةُ على ترنيمِها جَهراً، فتشابكوا بها، أليفةً لأحاسيسِهم، خبزاً صَلبَ العودِ كالنّبل، وقيمةً يبيتون، معها، في اكتفاء.
إنّ لبنانَ، في لسانِ المُنتشرين، غيرُهُ في بالِ المُستَبِدّين بالسلطة، عندَنا، لذلك هو، معهم، حقٌ يَخشَون أن يُضَيَّعَ بِخُمودِ الخواطرِ، وصَمتِ القرائحِ عمّا يستحقُّهُ من بَوحٍ مُتَحَمِّسٍ عن حقيقتِهِ التي تُفصِحُ بأنّه، بِحَدِّ ذاتِهِ، يشكّلُ عالَماً. إنّ حركةَ مَنْ تغرَّبوا ليتسلَّقوا أدراجَ الحياة، تتفلَّتُ من الإنقيادِ للُهاثِ الحَنين، لتُقاربَ لبنانَ القضيّة، وقد شاقَهم انغماسُ الوطنِ بين سنابلِ الدّموع، مُتّكِئاً على موجِ الحزنِ المُتلاطِم، فكانوا، بَيّاني المسافةِ بين عِصمةِ الإهتمامِ وعارِ النسيان.
شَتانَ ما بين الحاكمين، في بلادِنا، مُرتَكِبي الكبائر، وبينَ المَهاجِرَةِ موقِظي المسألةِ الوطنيّةِ فوقَ منابرِ الأُمَم، فالمتسلِّطونَ، بسلوكِهم اللّامبالي، والمُغرِض، يزيدونَ الى ظُلمِ البُعدِ ظلمَ التَّهميش، والى حُرقةِ الغربةِ حُرقةَ منعِ المشاركةِ في الإستحقاقاتِ الوطنيّة. شتّانَ ما بينَ قِصارِ قامةِ الكرامةِ من اللّاهِثينَ الى الفسادِ، المُتَقَوقِعين داخلَ أصدافِ النّهبِ، الغادِرينَ بالسيادةِ والكيان، ومُشَوِّهي سمعةِ الوطن، وبينَ أصحابِ الكلمةِ الوازنةِ، في بُلدانِ النّاس، أولئكَ الذين يَفيدُ اللبنانيّون من أُعطياتِهم، ويرتكزُ حقُّ لبنانَ على غيرتِهم للدفاعِ عنه، وضمانِ معالجةِ أزمتِهِ في المحافلِ الدوليّة. حقّاً، شتّانَ ما بينَ الثُّرَيّا والثَّرى…
إنّ كلّاً من المُنتشِرين هو قنصلٌ من دون مرسوم، يتمتَّعُ بوَعيٍ صريحٍ لقضيةِ الوطن، ويأبى أن يكونَ لبنانُ وَقفاً للشيطان، في ظلِّ حكمٍ تفصلُ بينَ كلامِهِ وسلوكِهِ هوّةٌ من الأكاذيبِ، وبين وُعودِه وممارساتِهِ أشواطٌ من التّلفيقات، ما أسقطَ قَدْرَ البلاد من عُلُوِّ حقِّها الى سُفْلِ انسحاقِها، وأَزهقَ تَطَلُّعَ الشَّعبِ الى وطنٍ أفضل. لقد أدركَ المنتشِرون، وبالحجّةِ، أنّ أركانَ المنظومةِ الحاكمةِ قد اقترفوا الجرائمَ غيرَ المسبوقةِ التي أدّت الى انهيارِ الدولة، وإحباطِ الأجيال، والإطاحةِ بالخلاص، ودفعَ بالكثيرين، وفي مقدّمِهم العناصرُ الشّابّةُ المثقّفة، الى الهجرة، بعيداً عن بشاعةِ المصير، وخيبةِ الأملِ بالمستقبل.
أمامَ هذا الواقعِ المُنَفِّر، لم تنقبضْ عزيمةُ المنتشرين، وهم جزءٌ من ثقافةِ الإنتماء، عن حَملِ قضيةِ الوطنِ الى أروقةِ دُوَلِ القرار، ولم يَختموا على اندفاعِهم في مَسارِ تقديمِ المساعداتِ للمُقيمينَ المحتاجين، من ذَويهم، ومن سِوى هؤلاءِ، وما أكثرَهم، ولم يسمحوا بأن تبتلعَهم بلدانُ الإغتراب ليتراجعوا عن دَعمِ الوطنِ، بالرّغمِ مِمّا قُدِّمَ لهم، في مراكزِ انتشارِهم، من تعويضاتٍ قَيِّمَةٍ، بديلاً عن القهرِ، والإضطراب، والإهمال، والعراقيلِ من كلِّ نوع.
إنّنا لا نُنكِرُ بأنّ حركةَ الهجرةِ من لبنان، كانت مُتَّقِدةً منذُ القديم، ولأَسبابٍ متنوّعة، لكنّها، في هذا العهدِ الأَسوَد، شكّلَت ظاهرةً لافِتَةً، بحيثُ بلغَ مَنْ طَفَروا من أصحابِ الأيدي والأدمغة، بحسبِ المَسحِ الإحصائيِّ غيرِ النّهائيّ، مئاتِ الآلاف. وهذا مردُّهُ، حتماً، الى انعدامِ مواصفاتِ الوطنيّة، والمسؤوليّة، ورِجالِ الدولة، في أشباهِ أصنامٍ حكموا البلدَ بعقليّةِ الإِلغاء، والإهمال، والأنانيّة، والتسلّط، والنّرجسيّة، ومارسوا أَبشَعَ استنساخٍ للنّازيّةِ، والسّتالينيّة، وعهودِ الظّلمِ العثمانيّة، تَلويثاً للدولةِ بهم. وها هم، اليوم، يستميتون في عمليةٍ إقصائيّةٍ مُجرِمةٍ تحرمُ المنتشرينَ من ممارسةِ حقِّهم في المشاركةِ بالإنتخاباتِ النيابيةِ القادمة، خَوفاً من قلبِ الطاولةِ عليهم، هم الذين وضعوا أيديهم على البلدِ، ونهبوه، وأفقروا أهلَه، وهجّروا أبناءَه، وما زالوا يرغبون في استكمالِ جنايتِهم المتماديةِ التي ينبغي اعتبارُها خيانةً عُظمى.
إنّ شَطبَ المنتشرين من دائرةِ القرارِ الوطني، لغَصبِهم حقَّهم في ممارسةِ دورِهم الديمقراطيّ، يدخلُ في صُلبِ مؤامرةٍ دنيئةٍ مشبوهة، تدعمُ مصلحةَ هادِمي البلادِ المستفيدين، جوراً، من نتائجِ الإنتخابات. وهذا يدفعُ، حكماً، الى الإسراعِ في إطلاقِ مواجهةٍ صارمة، عاليةِ اللَّهجة، شعبيّاً وسياسيّاً، تُحشَدُ لها كلُّ الإمكانيّاتِ، في الدّاخلِ والخارج، وتَفضحُ أمامَ الأمم المتّحدة، والدُّولِ التي تصونُ شرعةَ حقوقِ الإنسان، ما يأتيهِ الحكمُ الفاسدُ ومُساندوه، من تجاوزاتٍ سافرةٍ ومخالِفةٍ للدستورِ، وللقوانين المرعيّة، ومن بِدَعٍ تشريعيّةٍ تضربُ حقّاً وطنيّاً مكتَسَباً، كيانيّاً، وإيديولوجيّاً، لعَصَبٍ أساسيٍّ لمّا يزلْ، وحدَه، يضخُّ الرّوحَ في جسمِ الوطنِ المتهالِك.
إنّ حقَّ الإقتراعِ للمنتشرين ليس مِنّةً، ويجبُ انتزاعُهُ بالقوّة…