أول دولة ذات “سماء مظلمة” في العالم؟

المحاولة الجريئة لهذه الدولة الواقعة في المحيط الهادئ لتصبح أول دولة ذات سماء مظلمة في العالم قد تقدم نموذجا لبقية العالم.

لو كان يتعين على بيكي بيتمان، التي تعمل مرشدة في مجال الفلك والنجوم، اختيار نجم واحد فقط من بين 3,000 نجم يمكنك رؤيتها عادةً في سماء نيوزيلندا أثناء الليل، فستختار نجم يعرف باسم “السماك الرامح” (أركتوروس)، وهو ألمع نجم في تلك المجموعة. إنه يضيء باللون البرتقالي. وبسبب ذلك، فمن المرجح إحصائيًا أن تكون هناك حياة تدور حوله.

وفي معظم الليالي على مدار العامين الماضيين، كانت بيتمان تستخدم مؤشر ليزر أخضر وتلسكوب دوبسونيان القابل للطي لمساعدة الناس أثناء الليل على رؤية السماء في وايرارابا، وهي منطقة ريفية في الركن الجنوبي الشرقي من الجزيرة الشمالية.

وعلى مدار العام، تلتقي بيتمان بالناس في الحدائق العامة والساحات الخلفية وعلى الشواطئ البرية لساحل وايرارابا الجنوبي. وخلال أشهر الصيف في نيوزيلندا، حيث تصل سياحة النبيذ إلى ذروتها، يمكن رؤية بيتمان وهي تلوح بمؤشرها عالياً فوق أشجار العنب الخضراء في مزارع الكروم الشعبية في المنطقة المحاطة بمراقبي النجوم وهم يحتسون نبيذ “بينوت نوير”.

تبدأ الجولات بمقدمة عن عن مجموعة نجوم تعرف باسم كوكبة الصليب الجنوبي، ودرب التبانة، وتمتد عمومًا للدردشة حول أصل الكون والوقت الذي احتل فيه البشر كوكب الأرض. وفي هذه الأيام، من المرجح أن ينتهي المطاف ببيتمان – بصفتها أحد الأصوات الرائدة في وايرارابا فيما يتعلق بفوائد مراقبة النجوم – إلى حث الضيوف على الوقوف وراء مساعي الدولة لحماية سماء الليل. وبالنسبة لها، فإن سماء الليل الصافية الخالية من التلوث الضوئي هي واحدة من آخر حدود الطبيعة التي تواجه خطر الانقراض – والآن حان وقت العمل.

ولا تعد بيتمان الوحيدة التي تفكر بهذه الطريقة. ففي أواخر عام 2019، أعلنت الدولة الواقعة في المحيط الهادئ عن خطة لتصبح أول دولة ذات سماء مظلمة في العالم، وكان ذلك خلال مؤتمر نيوزيلندا لضوء النجوم في تيكابو.

وأعرب المشاركون في المؤتمر من جميع أنحاء العالم عن قلقهم بشأن التلوث الضوئي المتزايد في العالم وآثاره السلبية المؤكدة على صحة الإنسان والحياة البرية الليلية، لكن ما شجعهم حقا هو روعة الليالي المرصعة بالنجوم في نيوزيلندا ورغبة البلاد المتزايدة للحفاظ على السماء المظلمة. واتفقوا على أن الخطة كانت جريئة، لكنهم اعتقدوا أنه إذا كان بإمكان نيوزيلندا تنفيذ مثل هذه التجربة المجنونة، فستكون خطة رائدة للعالم بأسره.

في إحدى الأمسيات الشتوية الأخيرة، نصبت بيتمان تلسكوبها على الشرفة الباردة في “وايتيمانوكا ريتريت”. وقد استعنت أنا شخصيا بها للانضمام إلي في كابينة كنت قد استأجرتها في تلال مزرعة للأغنام والبقر على بعد حوالي ساعة بالسيارة من مسقط رأسي في ويلينغتون.

وعندما تلاشت الغيوم، بدأت باتمان في تجميع التلسكوب اليدوي الخاص بها، ووضعت ستة عبوات زجاجية مطلية يدويًا باللون الأحمر ومملوءة بأضواء معينة (لإضاءة طريقنا ببراعة مع عدم طمس رؤيتنا الليلية) وبدء العمل للكشف عن الأبراج في المساء. وبعد دقائق من وصف مكان العثور على كوكبة الصليب الجنوبي (أولاً، ابحث عن كوكبة على شكل طائرة ورقية في مجرة درب التبانة)، طار شهاب عبر السماء.

قالت بيتمان بحماس: “أوه، هذا رائع. هل رأيت ذلك؟ أرى 10 نجوم أو نحو ذلك كل بضع ساعات أكون فيها بالخارج هنا. وفي الآونة الأخيرة، بدأت أرى المزيد والمزيد من التلوث من صنع الإنسان مثل القمر الصناعي التابع لشركة سبيس إكس المملوكة لإيلون ماسك. بالنسبة لي، السماء المظلمة هي آخر شيء طبيعي حقيقي للبشرية، لكن من المحتمل أن يتغير هذا الوضع خلال السنوات القادمة. هذا يقلقني – هناك الكثير لنخسره في ظل هوس العالم بسياحة الفضاء، وهناك العديد من الأسباب التي تدفعنا للحفاظ على ما هو موجود هنا”.

وعندما يتعلق الأمر بالحفاظ على السماء المظلمة على الساحة الدولية، فإن الجمعية الدولية للسماء المظلمة هي المنظمة المسؤولة عن ذلك. أقيمت هذه الجمعية في عام 1988، وتدير برنامجًا للحفاظ على السماء المظلمة يُعرف جودة السماء المظلمة في العالم باستخدام نظام يعتمد على خمسة محاور. وداخل هذا النظام، تحتل محميات السماء المظلمة المرتبة الأعلى باعتبارها الأماكن النائية والأكثر ظلمة في العالم، تليها المحميات والحدائق والمجتمعات وأماكن السماء الليلية الحضرية.

وللحصول على شهادة الجمعية الدولية للسماء المظلمة، يجب أن تفي السماء المظلمة بمجموعة من المعايير، بما في ذلك الحماية من التلوث الضوئي، وإمكانية وصول الزوار، والدعم واسع النطاق من السكان.

وفي عام 2012، تقدمت منطقة أوراكي ماكنزي في نيوزيلندا بطلب إلى الجمعية الدولية للسماء المظلمة ونجحت في أن تصبح محمية سماء مظلمة معتمدة. وتعد أوراكي ماكنزي منطقة سهول داخلية، وتقع على بُعد 180 كيلومترًا جنوب غرب مدينة كرايستشيرش، كما أنها منطقة وعرة ومعزولة تهيمن عليها مناظر الجبال والبحيرات.

واليوم، تعد محمية أوراكي ماكنزي المظلمة التي تبلغ مساحتها 4300 كيلومتر مربع هي الوحيدة من نوعها في نصف الكرة الجنوبي، وواحدة من 18 محمية من هذا النوع في العالم. ومنذ ذلك الحين، انضم مجتمعان في نيوزيلندا – هما جزيرة غريت باريير، وجزيرة راكيورا ستيوارت – إلى قائمة المحميات، كما أصبحت “واي-إيتي”، وهي قطعة أرض مساحتها 135 هكتارًا في منطقة تاسمان، حديقة سماء مظلمة معتمدة من الجمعية الدولية للسماء المظلمة. ويتطلع 20 مجتمعًا آخر من مجتمعات السماء المظلمة في نيوزيلندا – بما في ذلك وايرارابا – إلى أن تحذو حذوها.

وفي عام 2019، كان ستيف باتلر، مدير مجموعة السماء المظلمة في الجمعية الفلكية الملكية لنيوزيلندا، هو الذي أعلن بجرأة عن خطط نيوزيلندا لتصبح أول دولة ذات سماء مظلمة في العالم. وقال لي مؤخرًا: “لقد كان هدفًا طموحًا أكثر منه هدفًا صعبًا وسريعًا. ليس لدى الجمعية الدولية للسماء المظلمة حتى الآن تصنيف رسمي للدولة ذات السماء المظلمة. لكن عندما يحدث ذلك، ستكون نيوزيلندا في المرتبة الأولى”.

وأوضح، “هل نحن مهووسون كشعب؟ ربما. نحن بالتأكيد نتمتع بميزة فريدة. انظري، شعب نيوزيلندا هم أناس في الهواء الطلق يتمتعون بسهولة الوصول إلى السماء المظلمة الطبيعية في نصف الكرة الجنوبي. لقد نشأ عدد قليل جدًا منا دون أن يشعر بالذهول من سماء نيوزيلندا أثناء الليل، لا سيما تلك التي تراها في المتنزهات الوطنية مثل أوراكي ماكنزي أو جزيرة راكيورا ستيوارت. بالتأكيد، لا نعرف جميعًا كيفية العثور على الصليب الجنوبي، لكننا بعيدون كل البعد عن 80 في المئة من سكان العالم الذين لا يستطيعون حتى رؤية نجوم السماء ليلاً”.

هذا هو السبب في أنه عندما طُلب من النيوزيلنديين الامتثال للمتطلبات الصارمة للجمعية الدولية للسماء المظلمة لتقييد الإضاءة الخارجية والتحول إلى الإضاءة الصفراء منخفضة الطاقة في مناطق مثل أوراكي ماكنزي وأماكن أخرى، التزموا على الفور، كما أوضح باتلر.

ولهذا السبب يثق باتلر أنه حتى المراكز الحضرية في البلاد، بمرور الوقت، ستجد طرقًا للحد من تسرب الضوء الاصطناعي إلى المناطق الطبيعية وتقليل استخدام الضوء بشكل عام. وهذا أيضًا سبب انضمام المزيد والمزيد من النيوزيلنديين إلى الجهود العالمية لإنقاذ سماء الليل في العالم.​

المصدر:
bbc arabic

خبر عاجل