#dfp #adsense

دستور حديث للبنان التعددي

حجم الخط

كتب المحامي الدكتور أنطوان صفير في “المسيرة” – العدد 1725

يبدو عنوان الملف المطروح في عددكم الخاص مجيباً عن الأسئلة والتساؤلات، بمعنى أن لبنان الكيان المتعب بسبب دولة نظامها مأزوم وقد أصبح مهدِداً للتعددية الفريدة، يحتاج الى تحديث أساسي في بنيته الدستورية بمداها التشريعي والتنظيمي. وبغية معالجة الموضوع المطروح من جوانبه كافة، لا بد من إستعراض الأزمات واقتراح الحلول ضمن النقاط التالية:

1 – الكيانُ المتعب

عايش لبنان الكبير ومنذ قيامه في العام 1920، أزمات وجودية كادت تطيح بفرادته في هذه المنطقة من العالم، وكانت القرون الماضية قاسية بما عرفته من إضطهادات وشهادات فاستحقوا لبنانهم الكبير كواحة حرية للمسلمين والمسيحيين ولكل طالب حرية وحياة ديمقراطية.

وكما سعت أطراف داخلية وخارجية لإجهاض قيام هذه الدولة قبيل إعلانها، فقد إِستمرت المحاولات المكشوفة والمطالبات الفجّة الى ضم الكيان – الوليد الى بعض الدول المجاورة، متنكرة لتاريخية لبنان ولنضالات شعب استحق الإستحصال على كيان قانوني وسياسي معترف به وهو بمثابة حصن للحريات.

بدأ تركيز أسس الدولة المُعلنة ضمن الأطر المحددة في صك الإنتداب مع صدور الدستور في العام 1926 وتعديله في العام 1927 وإطلاق ورشة بناء المؤسسات الدستورية والإدارية، وبداية ممارسة ديمقراطية فعلية. وقد إنتقلت الوضعية القانونية من الإنتداب الى واقع الإستقلال المُعلن في العام 1943، وبدأ المسار مشوباً بمخاض نكبة فلسطين في العام 1948 الذي شكّل أولى الهزات التي جعلت الدولة تستضيف لاجئين تحوّل وجودهم مع الوقت الى عامل لاستقرار أساسي مع كل ما عرفناه وعايشناه.

ثم عادت المواقف المُشككة بديمومة لبنان – الدولة الى الواجهة واشرأبت المطالبات وحصلت أحداث 1958 كسيناريو مُصغّر عن حرب 1975، بحيث ازدادت الروح الطائفية، ولم تستطع التسوية التي أتت بالرئيس فؤاد شهاب رأب الصدع رغم أنه عمل جاهداً لإرساء طابع مؤسساتي يخرج عن إطار الزبائنية والمحاصصات. ولكن نكسة 1967 وما تلاها من تفلت مسلح، أدّت الى توقيع إتفاقية القاهرة التي شرّعت السلاح الفلسطيني، فتحول الكيان اللبناني الى صندوق بريد في صراعات الكبار وفي ظل الحرب الباردة…. وانفجر هذا الكيان – الحصن يوم 13 نيسان 1975، وتحوّلت شوارع بيروت التي كانت قبلة الأنظار الى متاريس بين أبناء الوطن الواحد وبين قوى متعددة الولاءات والجنسيات والأجندات. ومذاك أضحى الكيان مشوبا بديمقراطية متعبة وبدأ الترنح الفعلي والمتتالي لدولة القانون والحق.

وقد إِستقيَ الدستور اللبناني نصاً وروحاً من القوانين الدستورية للجمهورية الثالثة الفرنسية في العام 1875، كما إستندت بعض النصوص الى صلاحيات كانت مكرّسة في النظام الملكي البلجيكي.

وخُلاصة الدستور اللبناني (1920) بنسخته الأولى تُختصر بعناوين أساسية أبرزها الفصل بين السلطات الدستورية، تشريعية وإجرائية وقضائية، وتكريس الحريات العامة وحرية التعبير، وما سواها من حقوق أساسية عادت وكُرّست في ميثاق الأمم المُتحدة في العام 1945، والعهد الدولي  للحقوق السياسية في العام 1966، وقرارات دولية عدّة.

وكان رئيس الجمهورية بعد الإستقلال في العام 1943، قد وَرِثَ عن المفوض صلاحياته من حيث السلطة التقديرية والتقريرية المعطاة للرئيس في تعيين الوزراء واختيار رئيس من بينهم، وذلك من دون شراكة مع أي سلطة دستورية أخرى. وقد كانت السلطة التنفيذية مختصرة بشخص الرئيس مع صلاحيات واسعة أبرزها عدم نشر القوانين التي لا يوافق عليها، من دون أن يكون لمجلس النواب أو لأي سلطة أخرى إلزامه بذلك، مما جعل النظام القائم قبل تعديلات الطائف يَجنحُ نحو النظام الرئاسي مع بعض المعايير المُخَفّفة.

وجدير الإشارة الى أنَّ سلطة الرئيس الدستورية الواسعة لم تعطه القدرة الفعلية خصوصاً في زمن الأزمات المُستعصية على ممارستها، والأمثلة كثيرة وأبرزها تعطّل الحكومة ومقاطعة الرئيس رشيد كرامي للرئيس شارل حلو طوال أشهر عديدة لم تنته إلاّ بعد إقرار إتفاقية القاهرة التي شَرّعت الوجود الفلسطيني المسلّح على أرضنا.

كما أنَّ الرئيس سليمان فرنجيه لم يستطع تأليف حكومات مع رؤساء مكلفين من قبله رغم أنَّ الدستور كان يسمح له بذاك، ولكن الميثاقية كانت تحد من الصلاحيات المكرّسة  في الدستور بحكم «الفيتو» الذي كان يضعه الشريك المسلم، مما جعل إعادة النظر ببعض الصلاحيات أمرًا واقعًا، خصوصًا في ظل واقع اللاتوازن الداخلي والخارجي، وذلك لتكريس توازن أكبر وبالتالي تعاون أكثر إِنتاجية بين السلطات. ولكن وبالرغم من التعديلات الدستورية وإعادة تنظيم الصلاحيات بين السلطات، لم نصل إلا الى مزيد من التقهقر المجتمعي وانهيار منطق الدولة، لأن المسألة تتعلق بالروحية التي تمارس فيها النصوص وبالتالي السلطة.

وهذا ما حصل مع تعديلات الطائف، ولم يكن موفقاً على أرض الواقع بحكم أنّ النصوص المعدّلة غير مكتملة وتحتاج الى تعديل وتفسير وتطوير بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إقرارها سنة 1990.

والمشاكل التي تجلّت، قد شكّلت نقاطاً نزاعية مستعرة سياسيًا ودستوريًا، عوض أنّ تشكّل النصوص الدستورية إطاراً قاطعاً يُحدِّد الأصول الواجب إتباعها عند حصول أي خلاف أو أزمة سياسية.

فالدستور هو القانون الأسمى الذي يُعتبر الملاذ الأخير لتحديد ما هو دستوري وواجب التطبيق، وما هو خارج عن نص الدستور وروحه، ويجب إهماله وعدم المجاهرة به في السياسة لأنه يتعارض مع أحكام الدستور وبالتالي مع القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.

والأمثلة كثيرة حول الخلافات الدستورية التي نتجت عن أو أنتجت أزمات سياسية، وفي بعض الأحيان مآزق في أكثر من مجال ونطاق ومرحلة من تاريخ لبنان السياسي.

 

2 – التعددية في النظام المأزوم

-أزمة الإنتخابات الرئاسية

منذ العام 1988، بدأت معالم تراجع النظام الدستوري في لبنان تتجلى عندما لم يستطع مجلس النواب الإنعقاد بغية إنتخاب رئيس للجمهورية في المهلة الدستورية المُحددة.

وقد إنتهت ولاية الرئيس أمين الجميل من دون انتخاب  رئيس جديد يتسلم زمام الحكم. وقد حصلت نزاعات وحروب حتى عاد مجلس النواب وانتخب الرئيس رينه معوض بعيد إقرار إتفاقية الطائف.

ثمّ عادت الأزمة لتحط رحالها مع إقرار تعديلين دستوريين في العامين 1995 و2004 قضيا بتمديد ولاية الرئيس لثلاث سنوات إضافة، مما جعل الولاية الرئاسية تسع سنوات بدلاً من ست، رغم أن نص المادة 49 من الدستور واضح ولا يحتمل التأويل لجهة عدم جواز إعادة إنتخاب الرئيس المنتهية ولايته إلا بعد مرور ولاية كاملة أي ست سنوات.

وقد تصاعدت هذه «الآفات» الدستورية مع عدم تسلّم الرئيس ميشال سليمان الرئاسة من سلفه، لأنه انتُخب بعد مدّة غير قصيرة على إنتهائها دون أن يتم تعديل المادة الدستورية والتي كان من المفترض تعديلها بحكم أنه كان قائدا للجيش، كما أنه لم يستطع تسليم الرئاسة الى خلفه، بعدما تعذّر انتخاب رئيس جديد إلا بعد مرور عامين على إنتهاء ولايته.

والخلاف السياسي أخذ إطاراً دستورياً عندما إستند الخلاف حول النصاب الواجب إعتماده، وفي أي دورة من دورات الانتخاب، وبين قائل بالانتخاب الرئاسي بثلثي أعضاء مجلس النواب في كل الدورات وبين متبنٍّ لطرح جواز إنتخاب الرئيس بالنصف زائدًا واحدًا بعد الدورة الأولى، وقعت البلاد في فراغ رئاسي غير مسبوق. من هنا، يجب تحديد الأصول الواجب إعتمادها لإنتخاب الرئيس، ووفق أي نصاب.

وبموازاة الممارسة الديمقراطية المتعبة بسبب تزعزع عناصر الدولة – الكيان وبعد تداعي المؤسسات وقدرتها على العمل المنتظم والمنتج، لا بد من التوقف عند الأزمات التي عصفت بالمؤسسات الدستورية بحيث ضربت روحية الدستور وخرقت بعض نصوصه واختلطت المفاهيم حسب المناخات السياسية ووفق المصالح وتوقيفها.

– أزمات تشكيل الحكومة

عند تشكيل كل حكومة، يهتز النظام الدستوري في لبنان بحكم عدم الوضوح في النص، مما يحتم إستكماله بشرح الأصول الواجب إتباعها بشكل دقيق وواضح، وكي لا نسقط مرة جديدة في طروحات متناقضة حول دور وصلاحية كل من رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف والمهلة المحددة للتكليف. إضافة الى تحديد إطار الإستشارات النيابية، وهل هي ملزمة الإنعقاد أم ملزمة النتائج.

وبمعنى آخر، كرّس التوافق بينهما كشرط جوهري لتشكيل الحكومة. ولكن السياسة النزاعية قد أطاحت بروح الدستور ونصه فتحول تشكيل الحكومة وفي كل مرة ومنذ سنوات الى أزمة مفتوحة أفقدت الدولة المصداقية وجعلتها تدفع أثماناً باهظة وعلى أكثر من مستوى.

– أزمة إطار الحصانة

عايشنا مؤخراً موضوع الحصانة النيابية ومآلها بين ضيّق وموسّع، مما يحتم على المشرّع إعادة تحديد إطار الحصانة بإعتبارها حصرية تتعلق بصفة النائب التمثيلية، مع التشدّد بأنها تشكل ضمانة لحرية النائب البرلمانية، ولا تُعتبر في أي حال من الأحوال حمايةً له من الملاحقات والمحاكمات وما يستتبعها.

– أزمة الميثاقية

شكلت الميثاقية ومعناها وطريقة استعمالها أزمة مفتوحة. والدستور قد تبنّاها كضمانة مشاركة متوازنة للمكوّنات في السلطات الدستورية والإدارية وذلك في الفقرة «ي» من مقدمته كما في المادة 95 منه، وهذا لا يعني مطلقًا أن تكون الميثاقية عائقاً أمام الممارسة الديمقراطية الدستورية بدل أن تشكل دعامة لها، إذ لا يجوز أن يعطل مجلس النواب وانتخابات الرئاسة وعمل الحكومة تحت حجة الميثاقية وألا نكون أمام نظام على القطعة» لا يمكنه إلا أن يستولد الأزمات ويُشار إليه كنظام مأزوم بكل المضامين.

والأخطر أن هذا النظام الذي وُجد ليحفظ التعددية كمصدر غني للدولة وللمجتمع، وأضحى هو بذاته وعبر الممارسة الملتوية خطراً على التعددية عبر تعميق ثقافة المحاصصة والمخاصمة والتنازع المفتوح. التعددية هي سمة لبنان وجوهره ولا يمكن المحافظة عليها وصونها من العبث إلا عبر الممارسة ديمقراطية سليمة مرتكزة على نص الدستور و روحه. وإذا كان لا بد من تعديل بعض المواد فذلك دليل صحة و تقدم في كل نظام دستوري برلماني باعتبار أن النصوص وُجدت لتتلاءم مع المتطلبات الإجتماعية والمقتضيات الوطنية، وإعادة قراءتها وتحسينها هو ضرورة يحتمها الحفاظ على التنوّع ضمن الوحدة. هذه الأزمات المفتوحة والمتكررة تؤكد على أزمة تعصف بالنظام الذي نعيش في ظله.

 

3 – نعم، لا يمكن الحديث عن تحديث النظام المأزوم لجعله أكثر عصية ومرونة إلا عبر إعادة جدولة الأولويات الدستورية، والإستفادة من الخبرة والممارسة طيلة أكثر من ثلاثة عقود، وبشكل يجعل النصوص أكثر توازناً وقدرة على التطبيق المنتج ضمن ثوابت الفصل بين السلطات والتعاون المستمر بينها.

من هنا تبدو ضرورية وملحة إعادة تصويب صلاحيات الرئاسة ومجلس الوزراء وتحديد أصول تشكيل الحكومة ووضع ضوابط ونصاب واضح للإنتخابات الرئاسية، وإعادة التوازن بين السلطات عبر إعطاء رئيس الجمهورية صلاحية حل مجلس النواب وتحديد حدود الصلاحيات، وإعادة إنتاج نظام داخلي حديث لمجلس النواب وإقرار قانون إستقلالية القضاء لجعله سلطة قائمة تمارس فعلياً من دون تدخلات أو توجيهات.

الوطن التعددي يحتاج الى دستور وقوانين تديره وتنظم أعمال مواطنيه. والقول بالتعددية يعني حكماً تطوير النظام عبر إعتماد اللامركزية العلمية الإدارية والمالية بغية تركيز معالم الدولة – الراعية لهذه التعددية من دون تلط وراء شعارات فارغة أفرغت الخزينة وعطّلّت المحاسبة وضربت معالم دولة القانون والحق.

ولا ريب من التأكيد أن النظام الفيدرالي يصبح مادة ضرورية للنقاش يوم نتوصل الى طرح الإتفاق على عقد اجتماعي جديد قابل للحياة من دون نكسات في الدولة متوازنة غير فاشلة فيها شعب حرّ غير مجزأ بسبب المعايير المتناقضة تحت سقف واحد.

هذا غيض من فيض ما يجب إعادة تصويبه وشرحه في الدستور والنظام بغية جعله أكثر قابلية لتشكيل إطار حل للنزاعات والنَزَعات السياسية، وألا تكون نصوصه الملتبسة وغير المكتملة مجال أخذ ورد وأزمات مفتوحة.

ولكي نقوّم أحكام الدستور، نحتاج الى مشرّعين يعرفون كيف يصنعون القانون على قياس الوطن ومستقبل إبنائه… وإلا ستبقى الأزمات تستولد الأزمات لأنّ التصحيح في النظام الديمقراطي يبدأ من الدستور…!

المحامي الدكتور أنطوان صفير – أستاذ محاضر في جامعة القديس يوسف – محامٍ في نقابتي بيروت وباريس

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل