#adsense

“لبنان الكبير” وعقوبة المئة سنة

حجم الخط

كتب أمجد اسكندرفي “المسيرة” – العدد 1725

في 23 كانون الأول 1980 صدر عن الجبهة اللبنانية بيان تحت عنوان «لبنان الذي نريد أن نبني». البيان موقع من الراحلين كميل شمعون وبيار الجميل وفؤاد افرام البستاني وشارل مالك وإدوار حنين، وأطال الله بعمره الأباتي بولس نعمان. جاء في هذا البيان: «ترى الجبهة اللبنانية ضرورة إعادة النظر في الصيغة التي جربها لبنان منذ سنة 1943، بغية تطويرها. وذلك في هدف تجنب أي إحتكاك أو إصطدام بين أعضاء الأسرة اللبنانية الواحدة. قد تقتضي إعادة النظر هذه، بتحويل هذه الصيغة إلى نوع من اللامركزية، أو الفدرالية أو الكونفدرالية، في إطار شامل لبناني موحد، على غرار ما تتجه إليه الأنظمة الدستورية الحديثة في العالم، للحؤول دون أية كارثة في المستقبل، كالكوارث العديدة التي ألمت بلبنان، منذ 1840 إلى يومنا الحاضر». من الواضح أن الكوارث التي حذّرت منها الجبهة اللبنانية لا تزال تُلّم بنا منذ ما قبل 1980 والى يومنا.

 

البيان الذي يُعدُّ تاريخياً لمن يقرأه كاملاً، جاء فصله الرابع تحت عنوان «سلام الشرق الأوسط بسلام لبنان، وسلام لبنان بسلام المسيحية». كأن كلمات البيان كُتبت اليوم. أليس وحده الحياد ضمانة لبنان وحصانته بانتظار سلام الشرق الأوسط؟ أما في ما يختص باللامركزية السياسية فقد فتح البيان باب الخيارات الكثيرة في أشكال تلك اللامركزية من فدرالية أو كونفدرالية، وهما صيغتان تتعدد أشكالهما وأنواعهما. بين 1980 و2021 حصل تطور إيجابي كبير. لم يعد الرافضون لهذه الصيغة قادرين على شيطنة من ينادي بها. جاء وقت أصبح فيه الكلام على الفدرالية «خيانة عظمى». ولّى ذلك الزمن. أصبح الرافضون مُحرجون في كيل الإتهامات وانتقلوا إلى الجدل. وهذا أيضاً تطور إيجابي آخر. حتى الآن لا يوجد منطق متماسك تخافه الفدرالية. بعض النظريات تعني شيئاً من إثنين: أو أن أصحابها لم يفهموا تلك الصيغة، أو أن هذا ما قَدَّرَهُم الله عليه من حجج.

هناك كلام على ضرورة وجود دور جديد للبنان بعدما انهار دوره الذي بدأ قبل مئة سنة. إنتهى لبنان الجامعة والمستشفى والمصرف والسياحة والخدمات، إلى ما هنالك مما نسمعه كل يوم من أدوار ومقوّمات زالت وتزول. في الحقيقة المطلوب عودة هذه الأدوار لا البحث عن أدوار جديدة. المطلوب «تنفيذ وصية» كتبتها الجبهة اللبنانية قبل أكثر من أربعين سنة. وتنفيذ العنوان «لبنان الذي نريد أن نبني». المطلوب عودة لبنان إلى ذاته وعندها تعود كل الأدوار ويُزاد عليها ما تقتضيه الحضارة والحياة. بصعوبة كبيرة اكتسب لبنان «أدواره المفقودة»، كان دوماً نصف الشعب، على الأقل، يريد للبنان نظاماً آخر، وأحياناً وجِدَ من أراده أن يذوب في غيره. ماذا لو اقتنع لبنان بصيغة جديدة، وتخلى نصف الشعب عن «القبول الإضطراري» بما يريده النصف الثاني؟ هكذا حصل مع المسلمين العام 1943، ثم عاد وحصل مع المسيحيين العام 1990. تبادل مصطنع للقبول الإضطراري. ولمن فاته أرشيف اليوميات السياسية اللبنانية في الثلاثينات وما بعد، سيقع على تصاريح كثيرة لسياسيين مسيحيين يريدون إلغاء الطائفية السياسية! بعد اتساع الديمغرافيا الإسلامية أصبح مطلب إلغاء الطائفية السياسية في رأس أولويات المسلمين وانتقل المسيحيون إلى معارضة هذه «الطائفية المقنعة»!

لقد جربنا كل أنواع الصيغ الإنصهارية، ولم ننصهر بل زاد التباعد. الباحث جبران شامية كتب العام 1977 «وكما تنحل مشكلة الإنتماء الثقافي بنقلها إلى الحكومات المحلية، كذلك تنحل مشكلة العلمانية. فإذا رغبت بعض المناطق في أن تتبع مبدأ العلمانية المطلقة وتفصل الدين عن الدولة وتطبق القانون المدني على الأحوال الشخصية، فذلك شأنها. وإذا أرادت مناطق أخرى تطبيق الشريعة الإسلامية على مواطنيها وأن تعطل يوم الجمعة بدل الأحد فذلك شأنها أيضاً، ما دام سن القوانين من صلاحية الحكومات المحلية لا الحكومة المركزية».

وكتب أيضاً غوستاف لو بون «إذا ما كان العقل قد تقدم مع مرور الأزمنة، فالعواطف المسيطرة على الناس تبقى على حالها… ولا تستطيع أي ثقافة أن تمحو الميول الموروثة عن الأسلاف». وحذّر من «أن جهل هذه الحقائق الرئيسة يزجنا في حسابات خاطئة. فأحداث الماضي تُظهر بوضوح أنَّ خَرْقَ سنن التاريخ لا يبقى بدون عقاب، وأن كل عمل إنساني مخالف لهذه السنن لا بد وأن ينقلب أو يتحطم عاجلا ً أم آجلاً». ولمن يصم آذاننا ليل نهار بضرورة وجود قانون «مدني» أو «علماني» أو حتى «جمهورية إسلامية»… لا نجد أبلغ من هذه العبارة أيضاً لغوستاف لوبون «التغيّرات الإجتماعية المتخذة بقرارات، والتي غالبا ًما تصدر عن ساسة متسلطين قصيري النظر، دائما ًتنتهي بكوارث… فالأمة لا تتبدل بقوانين، لأن تقدمها ينتج عن تطور النفوس». بعد مئة سنة بأي إتجاه تطورت النفوس؟ هل يشعر اللبنانيون بأنهم في حاجة إلى صيغة إنصهارية أكثر من صيغتي 1943 وصيغة الطائف التي لم تُطبق؟ أم يجب البحث عن صيغة خارج «الصيغة»؟ هل تعديلات دستورية يُمكنها أن تُحدث «التغييرات الإجتماعية»؟ أو نقتنع، وبعد أكثر من أربعين سنة، بتحذير الجبهة اللبنانية التي اقترحت الفدرالية «للحؤول دون أية كارثة في المستقبل، كالكوارث العديدة التي ألمت بلبنان، منذ 1840 إلى يومنا الحاضر»؟

في العام 1861 وقعت سبع «دول» أوروبية إضافة إلى السلطنة العثمانية على برتوكول «المتصرفية». هذه الولاية، واسمها جبل لبنان، تمتعت بحكم ذاتي لأكثرية مسيحية ودرزية. مدن ومناطق بيروت والبقاع ووادي التيم وطرابلس وصيدا توزعت على «ولايات» أخرى. نوع من «براعم الفدرالية» استقر في هذا الجزء من السلطنة العثمانية. ما هي دلالات «ولاية جبل لبنان»؟ بدا واضحاً وبديهياً أن «الخلافة الإسلامية»، تستوعب واستوعبت من مئات السنوات أشكالاً متنوّعة من «ولايات» الحكم الذاتي. وبدا واضحاً أن العلاقة بين مركز الخلافة الإسلامية والولاية «ذات الوجه المسيحي»، لم تكن بشكل عام سيئة. عندما وقعت الحرب العالمية الأولى، من تَعَسَّفَ واستبد كانوا حكام تركيا العسكريين، وليس السلطان،»خليفة المسلمين»! وويلات تلك الحرب أصابت البطريرك الياس الحويك بهاجس الجوع! وكما قيل عن صيغة 1943 «نفيان لا يصنعان أمة» (deux negations ne font pas une nation)، ولد «لبنان الكبير» بالخطيئة والخطأ! العسكريون الأتراك أرادوا إنهاء «الحكم الذاتي» لولاية جبل لبنان، وهنا الخطيئة. والبطريرك الحويك بعدما خسرت تركيا الحرب وزالت الخلافة، بمزيج الحلم والمصلحة نادى بـ»لبنان الكبير» وهنا الخطأ. كان يوجد مسيحيون خارج «المتصرفية» وأراض خصيبة، وعلى حساب «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، اعتقد الحويك أن صيغة «المتصرفية» التي زالت، يمكن إحياؤها من جديد في صيغة «لبنان الكبير»، مع بقاء «اليد العليا» للمسيحيين في هذا اللبنان! فبدلاً من متصرف مسيحي غير لبناني، سيكون على رأس هذه الدولة الجديدة رئيس مسيحي وماروني. وبدلاً من «الذمية» الضاربة في المحيط العربي، سيعطي «لبنان الكبير» النموذج – الرسالة على التعايش بين الأديان. والهدف البعيد ملاقاة أفكار النهضة والحداثة الهاجمة بقوة منذ القرن التاسع عشر، على أمل أن يُعامل مسيحيو العالم العربي الكبير، مثلما سيُعامل المسلمون في «لبنان الكبير»! خطأ الحويك لم يمر من دون دلالة لم تأخذ حقها. هذه الدلالة أن الموارنة ليس في عقيدتهم وتراثهم عقيدة «الوطن القومي المسيحي». هم يريدون أن يعيشوا مع الآخر، ومنذ مئات السنوات. ليس لحريتهم وكرامتهم معنى إن لم يحققوها بوجود اللبناني الآخر. هذا اللبناني الآخر كان وجدانه في أوطان قومية مغايرة. وتدرجت المطالبات من لبنان ملحق بقومية إسلامية مع المملكة الفيصلية، إلى قومية عربية وقومية سورية وصولاً إلى عصرنا الحاضر حيث يريد «حزب الله» لبنان جزءاً من الجمهورية الإسلامية التي يحكمها «صاحب الزمان» بواسطة وليه الفقيه في إيران! الحويك وتياره من سياسيين وأدباء لم يتوقعوا أن المسلمين ليسوا مهجوسين بفكرة «الوطن» على الطريقة المارونية، فـ»كل بلاد العُرب أوطاني» كما يقولون. وعندما اضطروا إلى القبول بلبنان، لم يقبلوا أَلّا يكون جزءاً من قضايا عربية وإسلامية تبدأ بفلسطين ولا تنتهي بـ»جبهة تحرير إيريتريا»! وهذا الإنغماس منع اشتداد عود الدولة اللبنانية، كما «طّيَّرَ» الحرية والديمقراطية وفكرة الدولة الحديثة في المحيط العربي ككل. وهنا يُطرح سؤال. في ظل «المتصرفية»، التي عاشها الحويك، عرفت «الولاية اللبنانية» نهضة ثقافية واقتصادية لا مثيل لها. في ظل «المتصرفية» ارتفع سعر الأراضي وقيل «نيال من له بلبنان مرقد عنزة». إستقرار سياسي لا بأس به بمعادلات ذلك الزمان، وازدهار اقتصادي وانفتاح على العالمين الغربي والعربي. كانت «الولاية اللبنانية» الأكثر تقدماً وحداثةً واستقراراً وازدهاراً بين كل الولايات الآسيوية والأوروبية الخاضعة للسلطنة العثمانية. هكذا كانت «المتصرفية» قبل أن تودي بها الحرب العالمية الأولى، لماذا تخلى الحويك عن تطوير «المتصرفية» وذهب إلى مغامرة غير مضمونة؟ مهما كانت التبريرات، إنتهينا إلى نتائج لم يكن يريدها الحويك لو عاش ورأى ما حصل بعد موته. مر أربعة بطاركة بعده حتى طفح كيل البطريرك الحالي بشارة الراعي وقال: الشراكة الوطنية مهددة إذا لم يُطبَّق الحياد. وها نحن مجبرون على العودة إلى الماضي. لا يمكن تطبيق الحياد بدون اللامركزية السياسية؟ ولا يمكن تطبيق اللامركزية السياسية من دون حياد. ولا يمكن تطبيق الحياد من دون توقيع «برتوكول أممي»، على غرار بروتوكول 1861 الذي ضمن «المتصرفية اللبنانية» ورعاها. البكاء على الأطلال لن يُغيّر الماضي. المعضلة أننا اليوم نبكي حاضرنا والمستقبل. فالبحث عن «شراكة جديدة» وعن الحياد متروكان لعظات بشارة الراعي واتصالاته. القوى السياسية «مهتمة بشؤون كثيرة». كان يمكن أن تكون المئة سنة التي انصرمت، أهدأ وأجمل.

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل