لا لبنان خارج الميثاق

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1725

ثمة حاجة ملحة إلى إعادة قراءة وثيقة الوفاق الوطني بدقائقها وخلفياتها ونيَّة معدّيها، لأنها تمثل النسخة المحدثة والمتقدمة للميثاق الوطني الذي تكرّس في جانب مهم منه في الدستور، لكنه يبقى بهالته وقدسيته المنتهكة، السقف الأسمى، كتجسيد لعقد الشراكة التاريخية بين المسيحيين والمسلمين.

ولذا، فإن الخيار اليوم هو بين الميثاق الوطني وبين سائر البدائل المختلفة والمتناقضة أحيانا، والتي تراوح بين إعادة توليد نظام جديد يلغي الطائفية السياسية من دون العلمنة والدولة المدنية الكاملة، فيلغي التوازن الوطني، أو يكرّس المثالثة التي تصب في التوجه نفسه، مرورًا باللامركزية أوالفدرالية وصولاً ربما إلى خيار الإنفصال.

فالواقع أن ما يحصل اليوم من تقويض للدولة وتحايل على الدستور ومحاولات لفرض هيمنة طرف على سائر الأطراف، يصب عمليًا في خانة إستهداف الطائف ومن خلاله الميثاق الوطني، أي جوهر الشراكة المسيحية الإسلامية وما تعنيه من توازن وطني بمعزل عن الأرقام والأعداد.

إن سياسة الإستقواء بالسلاح أو بالعدد أو بالخارج، لا تعني ضرب الحضور المسيحي حصرًا، بل تعني ضرب علة وجود لبنان الوطن والدولة والتناغم الفريد بين جناحيه، الأمر الذي يستدعي من شخصيات وشرائح مسلمة الإستهجان والرفض بقدر ما يستدعي الموقف ذاته لدى المسيحيين بعامة. فما يزعج فريق الممانعة الذي يناصره ويغطيه حليفه المسيحي في السلطة بمزيج من الإدعاء والإستهتار المريع بالمصلحتين المسيحية والوطنية، هو أن الميثاق أنتج نظامًا متماسكاً حتى اليوم ولم تنجح الحرب على مدى خمسة عشر عامًا في إطاحته، بل تمّت استعادته في اتفاق الطائف بما اقتضى إنهاء الحرب من تعديلات لا تمس كنه الميثاق، بل تسهِّل ترتيب البيت اللبناني وإعادة عجلة الدولة إلى الدوران.

 

دولة التوازن الوطني

ولعل إنعاش الذاكرة بقراءة نوعية للميثاق الوطني بأبرز بنوده، وهي ثلاثة، على الرغم من أنه ميثاق غير مكتوب، تكفي لفهم مرامي «حزب الله» الذي لم يتردد عبر عدد من نوابه في اعتبار المقاومة بندًا ميثاقيًا. والبنود هي التالية بتصرف:

أولاً: لبنان ليس وطناً للمسيحيين وحدهم ولا للمسلمين وحدهم، بل هو وطن العيش المشترك للطرفين اللذين يمثلان جناحيه، على قدم المساواة، مع ما يعني ذلك من مشاركة في الحكم والقرار.

ثانيًا: يتخلى المسيحيون عن أية مطالب بحماية أجنبية، ويرتضي المسلمون بالكيان اللبناني، بحدوده الحاضرة كياناً سيدًا مستقلاً دائمًا…

ثالثاً: ينتمي لبنان إلى الأسرة العربية، وسيكون عضوًا مؤسسًا في جامعة الدول العربية ولن يكون للإستعمار ممرًا أو مقرًا، وهو إذ يتضامن مع الصالح العربي تضامناً كاملاً، ينأى عن الدخول في سياسات المحاور التي يمكن أن تتجاذب الأقطار العربية في ما بينها.

ومن هنا، فإن الشراكة بالمساواة، والحفاظ على الإستقلال والحياد الذي لا يتناقض مع التضامن العربي كمبدأ، هي الأسس الثابتة للوطن اللبناني، فإما أن يعترف الجميع بها من دون مواربة أو تأويل متذاكٍ، فيستمر لبنان الكيان كما أراده الآباء المؤسسون، وإما يخرج لبنان من جلده التاريخي الميثاقي وهويته المتمايزة التي تركز على الإنسان وعلى التفاعل الحضاري من دون هيمنة فئة على أخرى.

ولن يكون البديل حتمًا أي نظام أو صيغة تكرّس الهيمنة الآنفة الذكر، أو تتلاعب بمبدأ التوازن الوطني بين المسلمين والمسيحيين لمصلحة المثالثة أو الغلبة العددية، حتى لو اقتضى الأمر إعتماد بديل يكرّس التنوّع بصيغة جديدة قد تُسمّى لا مركزية موسعة أو فدرالية، وحينها تكون الخيار الأقل سوءًا للحفاظ على لبنان الميثاق بشكل أو بآخر.

 

أما الإنفصال فخيار الدويلة

أما الإنفصال أو الإنفكاك، فهو لن يكون أبدًا خيار اللبنانيين الأحرار مسيحيين ومسلمين، بل سيكون خيار من يرفض إستمرار لبنان الميثاق، فحينها يكون هو الذي اختار الإنفصال أو إقتطاع بعض من لبنان ليقيم دويلته المسخ أو ليلتحق بدولة أخرى.

إن لبنان التعددي المتوازن هو أشبه بقدر لا يمكن الفكاك منه، ولو اختلفت طبيعة النظام إذا تم ذلك بتوافق مكوّناته، فالخروج عن عقد الشراكة التاريخية أمر صعب على الجميع، لكن محاولة الإيحاء بالحفاظ على الميثاق شكلاً وتكريس الخلل واقعًا هي أيضًا أمر صعب ومرفوض وغير قابل للحياة. ولذا لا بد من  المحافظة على التوازن الوطني، عبر اقتناع عام بمبدأ المواطنة تحت سقف هذا التوازن.

وثمة ملاحظة أساسية يسعى كثيرون إلى تجاهلها، وهي أن وثيقة الوفاق الوطني بما أُثبِت منها في الدستور، نصت على أن مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة هو الذي يحدد مسار إلغاء الطائفية، وليس الطائفية السياسية فحسب، والمناصفة تعني المناصفة الفعلية وليس الشكليّة أو العددية، وهذا المجلس إذا أردنا الإنصاف لم يُنتخب حتى اليوم، والمغزى منه أن المسيحيين والمسلمين سيكونون متساوين بالحرية للتوافق على المسار.

إن مفهوم المناصفة يحتاج إلى بلورة حاسمة، لأنه حتى بإلغاء القيد الطائفي انتخابيًا يمكن الحفاظ عليه بحسب التقسيمات الانتخابية الموضوعية والممكنة بل الواجب اعتمادها في حينه، تأكيدًا على التوازن الوطني الذي يمثل جوهر الميثاق والطائف.

وفي الخلاصة، الدول المتطوّرة والعلمانية، تقدمت جدًا في الإعتراف بالخصوصيات والتنوّع الثقافي على اختلاف وجوهه، وصولاً إلى تكريس حقوق الأقليات من سياسية وغير سياسية، ولذا لا يمكن للبنان أن يكون خارج مسار الواقع، لا سيما وأن ميثاقه الوطني ما زال حتى اليوم حالة متقدمة ونموذجًا فذًّا يستحق العيش في ظله بحرية المتعاقدين ورضاهم، مع إيقاف العدّ فعلاً لا شكلاً.

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل