هل يصبح التطبيع أمراً واقعاً؟

العلاقات اللبنانيّة السوريّة تتأثّر جيوبوليتيكيًّا بسبب التلاحم الجغرافي وحتّى الديموغرافي الموجود بين البلدين. لكن تطبيع العلاقات لم تفِ سوريا يومًا أطماعها في السيطرة على لبنان الذي تعتبره محافظة من محافظاتها المسلوخة عنها منذ زمن إعلان  لبنان الكبير. والمؤكد اليوم أنّ الشارع اللبناني  منقسم عاموديًّا حول موضوع العلاقات الطبيعيّة مع سوريا، مع وضوح في الرؤية بالنسبة إلى طرفي النّزاع. ولا يمكن أن يقف أيّ لبناني في ملفّ كهذا على حياد. بعضهم يعيد جذوره وعمقه إلى العمق السوري الطبيعي، وبعضهم ما زال صراخ أسراه ومخطوفيه مدويًّا في السجون السوريّة حتّى اليوم.

ومصطلح التطبيع هو مصطلح سياسي يشير إلى “جعل العلاقات طبيعية” بعد فترة من التوتر أو القطيعة لأيّ سبب كان، حيث تعود العلاقة طبيعيّة وكأن لم يكن هناك خلاف أو قطيعة سابقة. وممّا لا شكّ فيه أنّ ملفّ التطبيع مع سوريا بات يشكّل قضيّة وجوديّة في  الوجدان اللبناني. والكباش بين اللبنانيين الذين انقسموا تجلّى منذ زمن حكومة الرئيس سعد الحريري، لا سيّما في العام 2017 عندما أعلن وزراء الثنائي آنذاك وزير الزراعة غازي زعيتر ووزير المال علي حسن خليل من حركة أمل، ووزير الصناعة حسين الحاج حسن من حزب الله نيتهم زيارة سوريا ليصرّح وزير الاعلام آنذاك ملحم رياشي لعد جلسة حكوميّة بأنّ ” قرار مجلس الوزراء هو النأي بالنفس عن محاور الخلاف، وأي زيارة إلى سوريا لن تكون بقرار رسمي من الحكومة”.

وهذا الكباش يستمرّ حتّى اليوم حول هذا الموضوع، لكنّه يتّخذ أشكالاً متعدّدة حيث يحاول حزب الله بالتحديد استغلال مسألة استجرار الطاقة والغاز عبر سوريا للدخول في عمليّة تفاوضيّة سياسيّة مباشرة لاسترجاع العلاقات اللبنانيّة السورية من دولة إلى دولة، لا من فريق سياسيّ إلى مثيله وحسب. وهنا بيت القصيد. فرفض الفريق السيادي يأتي  من منطلق عدم وجود دولة في سوريا بعدما سحب الشعب شرعيّة الحكم من الذين يحكمونه. لكن الكلّ يعلم كيف استطاع هذا النظام المجرم أن يستمرّ بحكمه. ولا يمكن القبول أن يتمّ رهن مصير اللبنانيين بإعادة ضخّ الأوكسيجين السياسي لهذا النّظام الميت فعليًّا.

وهذا ما تجلّى عمليًّا من زيارات روّاد المحور السوري – الايراني في لبنان إلى سوريا التي لم تنقطع، وآخرها زيارة وفد من التيار الوطني الحرّ برئاسة نائب الرئيس للعمل الوطني الوزير السابق طارق الخطيب، الذي زار دمشق يوم الثلاثاء في 25 كانون الأوّل الفائت بدعوة من الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي السيد هلال هلال، الذي التقاه بحضور الوزير السابق مهدي دخل الله في مبنى الحزب في العاصمة السورية. وذلك تحت ذريعة تطوير  العلاقات بين البلادين، والبحث في ملفّ النازحين. بينما لم تستبعد التسريبات أن يكون هدف الزيارة الإعداد الانتخابي بين حلفاء سوريا في  دائرة الشمال الثالثة. فضلاً عن الاستخدام الانتخابي لموضوع النازحين من جديد.

فيما القاصي والداني يعرف أن حكومة اللون الواحد وهي الثالثة في عهد الرئيس سليمان والتي رأسها دولة الرئيس نجيب ميقاتي   التي ضمّـت 30 وزيرا، 18 منهم من قوى الثامن من آذار وأبرز اركانها حزب الله، إضافة الى 12 وزيرًا مقرّبًا من كّل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان وميقاتي والزعيم الدرزي وليد جنبلاط. هذه الحكومة التي ادخلت النازحين ورفضت حصرهم في مخيّمات على الحدود. ليعود بعدها التيّار ويجعل منهم شمّاعته الانتخابيّة عند كلّ استحقاق انتخابيّ.

وقد رأى نائب قضاء بعبدا الحالي بيار أبو عاصي في حديث لنداء الوطن بأنّ ” النظام في سوريا يستعمل النازحين كورقة ضغط على دول الجوار وعلى أوروبا والمجتمع الدولي بشكل عام. فلو أراد إعادتهم إلى سوريا لعادوا إلى بلادهم بشكل طبيعي، دون وساطة من أحد، وبخاصة أنّ العمليات العسكرية توقّفت في سوريا.

وعن زيارات حجّ الوفود من الوزراء والمسؤولين الحزبيّين وغير الحزبيّين إلى سوريا لفت بو عاصي لنداء الوطن إلى أنّها “تمّت دون أن تعيد مفقود أو سجين لبناني واحد إلى لبنان، أو نازح سوري واحد إلى سوريا. ولذلك فإنّ محور الممانعة في لبنان غير آبهٍ بتاتًا بعودة النازحين بل جلّ همِّه هو إعادة ربط لبنان سياسيًّا بالنظام السوري”.

ختامًا، يبدو أنّ الأضواء التطبيعيّة ستسلّط على الساحة اللبنانيّة. ويبدو أنّ محور سوريا وإيران في لبنان سيسعى بكلّ ما استطاع لاستغلال عمليّة الانقاذ الكهربائي القادمة عبر سوريا لفرض التطبيع كأمر واقع. وقد تكون الحكومة من جديد مهدّدة بتعطيل من تداعيات هذا التطبيع المفترَض. هل يؤمل من هذه الحكومة مثلا أن تواجه هذا المحور وهي صنيعته؟

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل