.jpg)
ليسَ من بابِ الإدِّعاءِ أن تكونَ الحماسةُ لتغميسِ الذّاتِ في عُهدةِ الوطن، هي من أَروَعِ طرازاتِ الإنتماء، وأَكنَزِ مقاييسِ الولاء.
بيار بوعاصي، الوزيرُ النّشيطُ، والنّائبُ عن المقعدِ المارونيِّ في دائرةِ بعبدا، كَلِفٌ بالوطنيّةِ حتى يَصُحَّ انتسابُه اليها كَمَن يَلمُّ تباشيرَ الصّباحِ الى ارتساماتِ النّجوم. فعلاقتُهُ بها تنضَحُ عمّا حَنَت عليهِ ضلوعُ صَدرِه، وما نطقَ به وجدانُه، وما أَنِسَت، هي، بنضالِهِ الصّافي. وإذا طالَعْنا سلوكَه، برويّةٍ ونظرٍ ثاقِب، نقفُ على ما يوجِبُ التّقديرَ، والإعتزاز، في مجابهتِهِ استمرارَ الزمنِ المُرّ، وفي نَفحِهِ نَفَساً يحفظُ للوطنيّةِ روحَها، لتتحرَّرَ من الفِكرِ المدسوسِ عليها، من الذين رَكَدَ حِسُّهم الوطنيّ، وجَيَّروا ذواتِهم وَقفاً للشيطان.
لم يُطنِبْ بيار بو عاصي في الحديثِ عن أهواءِ نفسِه، وزَهوِها في الشّوفانيّةِ ليُماشيَ سواهُ من المُفلِسينَ في القيمةِ الشخصيّةِ، وفي الإنجازات، والذين يستقرِضون الصّيتَ بالكَذِب، وهذا هو فَنُّ الفَشَل. إنّ قدرةَ بو عاصي على العُبورِ الى النّاسِ، ترجمَها بالعملِ، وبالسّلوك، وبالأداءِ، وهي الأَبرَكُ رونَقاً، وأَضْبَطُ ما يتولّى الإفصاحَ عن حقيقةِ الشّخص، بعيداً عن المخاتلةِ، والإسرافِ في التّظاهر، فمَحصولُ هَذينِ ضئيل، ومكافأتُهما لا بَرَكَةَ فيها، وافتضاحُهما أَسرَعُ وأَسهل.
في الوزارة، استطاعَ بيار بو عاصي أن يَقلبَ الموازين، على مستوى إنتاجِ تغييرٍ تَمَيّزَ بالتحوّلِ من انهيارِ الجديّةِ، وتلاشي المسؤوليّة، وسَلطنةِ تشكيلاتِ الفساد، وانتهاكِ القوانين، أي من سوءِ الإدارة، الى تحصينٍ لِحَقِّ الناس، والشّفافيّةِ الصّادِقةِ غيرِ المُقَنَّعة، والإندفاعِ النّزيهِ للخدمة، ما شكّلَ ضربةً لسَقطةِ مؤسّساتِ الدولةِ التراجيديّة، وهذه السّقطةُ لم تكنْ بمشيئةٍ تفوقُ إرادةَ القَيِّمين، بل من صنعِهم ومسؤوليّتِهم. وكانَ شِعار بوعاصي، في زمنِ تولّيهِ وزارة الشّؤون، أنّ من حَقِّ النّاسِ المُعَلَّقين على وَتَرٍ فوقَ هاويةِ الفقر، والحاجة، ألّا يشعروا بالخَوف، فالخَوفُ هو انعكاسٌ لبشاعةِ الحقيقةِ التي افتعلَها رِجالُ المسؤوليّةِ المُتعاقِبون، بالإهمالِ المقصود، وبسَمسراتٍ متنوّعة، وبأَذرعٍ أخطبوطيّةٍ في النّهبِ، ومن دونِ رادِعٍ أو نَدَم.
إذا كان الوطنُ هيكلاً معرَّضاً للإنهيار، والأدلّةُ على ذلك متوفِّرةٌ بكثافة، فأيُّ أملٍ يلوحُ، إذاً، في الأفق؟ يمكنُ لذَوي التردّدِ، والهَلَع، واليأس، ألّا يلمحوا شعاعَ فجرٍ يُرتَجى، وربّما يوافقُهم مَنْ عاينوا تقلّباتِ الأوضاعِ، وما آلَت إليه من ترسيخٍ للتسلّطِ، وشَلٍّ للتطوّرِ الإقتصاديِّ والإجتماعيّ، وتحفيزٍ على الهجرة، وسلوكٍ أَعوَرَ للدولةِ التي تقدِّمُ للناسِ العكاكيزَ ليبقوا عرجاناً ومُكَرسَحين. لكنّ هذا التّوازنَ البهلوانيَّ الذي يهتزُّ عندَ أوّلِ هَبَّة، لم يقفْ قُبالتَه بيار بو عاصي، ومعهُ خَندَقُهُ المُدافعُ عن الصّمودِ بالنّضال، موقفَ ” لا حَولَ لنا، معه “، ففي ذلك تَراجعٌ لا يرتضيهِ مَنْ يريدون تَقويمَ الإعوجاج، وإنقاذَ البلدِ من مناخِ الخِزيِ، والتوَعّر، والإجحافِ، والخضوعِ الطَّوعي. من هنا، رفعَ بو عاصي، المُنتمي الى قِيَمِ الوطنيّةِ، والى حزبٍ لا يساومُ، شعارَ استئصالِ ثقافةِ التّكاذبِ، والتّصفيقِ، والتَبَعيّةِ الرّعناء، رَفضاً لأن يتحوّلَ الناسُ غنيمةً ينهشُها الإقطاعيّونَ، ويتوزّعونها بينهم، فيبقى المجتمعُ رهينةً بِيَدِ الفاسدين.
في دولتِنا النظريّة، تَراخٍ شبهُ تامٍّ في مسألةِ الإنتماءِ، والولاء، فهنالكَ ألفُ تعريفٍ لمفهومِ الوطنيّة، وألفُ زاروبٍ لتَضييعِ هذا المفهوم. وإذا كان الوطنُ مساحةَ المصلحةِ عندَ البعض، أو وَهماً يذوبُ في غيريّةٍ قوميّةٍ أو إِثنيّةٍ عندَ البعضِ الآخر، أو إِرثاً انتقلَ الى بعضِهم فامتلكَهُ وعاثَ فيه تشويهاً من دون حساب، فإنّ القواتِ اللبنانيّةَ، وفي صفوفِها مناضِلونَ أوفياء مثل بيار بو عاصي، وَمَنْ يُشبهُهُ، لم تقفْ جليديّةَ القَدَمِ أمامَ الذين يجاهرون بولائِهم لخارطةٍ غير خارطةِ لبنان. والمواقفُ المتلاحقةُ لبيار بو عاصي في حيثيّةِ الوفاءِ للوطن، تُرشدُ الى حقيقةِ أنّ لبنانَ هو الخيرُ المُطلَق، وأنّ الكرامةَ الوطنيّةَ لا تُمنَحُ، وهي قضيةٌ تَمسُّ الحياةَ بذاتِها، وهي أسمى من أن يعلوَ عليها شيء، فتَحْتَ سقفِها تمرُّ المبادئُ، والحقوقُ، والقوانين، لتكوِّنَ سلوكيّاتٍ أخلاقيّةً تُعَلِّمُ أنّ الكرامةَ هي مُرتَكَزُ منظومةِ الإنسانِ، وبها، وحدَها، يكتملُ يَقينُهُ بوجودِه.
إنّ الحِراكَ الواعي الذي تقودُهُ القواتُ اللبنانيّة، والذي يطرحُ بنودَه بيار بو عاصي، وسواهُ من قيادِيّي القوات، في طلّاتِهم، ومناظراتِهم، ومقابلاتِهم، وتصريحاتِهم، يركّزُ على أنّ الكيانَ يقومُ على أقانيمَ ثلاثةٍ هي الشّعبُ، والأرضُ، والنّظام. وإذا كان البعضُ المعروفُ تَوَجُّهُهُ المشبوه، قد استفزَّ مبدأَ السيادة، وحاولَ أن يُصدِرَ بيانَ نَعيٍ له، أمامَ تخاذلِ السلطةِ، وعُقمِ القيّمينَ على الحكم، أولئكَ الذين باتَ مشهدُ الوطنِ، بهم، مُهَشَّمَ الظّلالِ، باهِتَ القيمة، فإنّ بوعاصي، المُتَشَبِّعَ بالوطنيّةِ، ما كانَ، يوماً، بحالٍ رَخوةٍ، بل رأسَ رمحٍ في مواجهةِ الذَّوبانِ في زمنِ الهمجيّةِ التي تحاولُ الإطباقَ على الوطن. وإذا كنّا نقومُ برحلةٍ إستكشافيّةٍ عَلَّنا نعثرُ على شيءٍ من الحسِّ الوطنيِّ لدى المسؤولين، ولن نَعثُر، فإنّ بو عاصي الرّافضَ للتبعيّة، ولتَجييرِ لبنانَ الى عصورِ التخلّفِ العَفِن، وقُبحِ الإنحطاط، ما تحكَّمَ به، يومأً، إلّا نَبضُ النّضال، ويقظةُ الثّورة، وسلطانُ الكرامة، دفاعاً عن سيادةِ لبنانَ النّاجزة، ومكوِّناتِ وجودِه، مهما كانتِ التّضحيات، وكأنّه يقولُ للذينَ يعملونَ على اغتيالِ الكيانِ، وبجرأةٍ تحملُ إنذاراً: إنّ زمنَكم المُنقَرِضَ لن يُبعَثَ حَيّاً.
بيار بو عاصي، نحنُ معك، لأنّكَ لم تتنازَلْ عن نضالٍ، وحدَه، أنقذَنا من أن يَتحوَّلَ الواحدُ منّا إسماً من دونِ بلاد، وأن يُصبحَ لبنانُ حُطاماً مطروداً من كلِّ الوجوه، يَطمرُهُ حزنُ الأرض، ويكسرُ جبهتَهُ الذلّ. بنضالِك، ونضالِ سواكَ من السياديّين، نُصَدِّقُ أنّ اليومَ الثالثَ موجود، فنُعانقُ الوطنَ في مصالحةٍ سرمديّةٍ، تذوبُ في ذاتِهِ ذواتُنا، لتَنبتَ، بكَ، أرزةٌ ما تعوَّدَت أن تنحنيَ، مهما قسا عليها التّراب.