.jpg)
كتب أنطوان مسرّه في “المسيرة” – العدد 1725
إن المادة 49 من الدستور اللبناني هي ثمرة إنتاج حكماء وعباقرة لبنانيين في العلم الدستوري المقارن، ثمرة إختبار لبناني أصيل في جعل رئيس الجمهورية «رئيسًا للدولة»، يعلو على الصلاحيات وسجالاتها والصراع على مواقع ونفوذ وأحجام. رئيس الدولة هو من يحمل باستمرار الكتاب (الدستور) ويحلف اليمين على الدستور ولا يطالب بتفسيره، على نمط الرئيس فؤاد شهاب، ملكًا دستوريًا، مجلسًا دستوريًا في إرساء سمو الدستور قبل المجلس الدستوري المؤسسي. يقول إدمون رزق الذي شارك في الطائف إن القانونيين – ولا نقول الحقوقيين – لم يدركوا أبعاد المادة 49 الجديدة في سبيل تحرير رئاسة الدولة من علاقات السلطة والنفوذ وتبادل منافع ومواقع وأحجام. خلال عرض جذور المادة 49 وتفاصيل 14 إقتراحًا في ما يتعلق بالمواقع الثلاثة العليا، قال لي: «هذا هو الهدف. ولو عُرض الهدف بهذا الشكل لرفضه البعض!». قد يقول من تمّت أدلجته على سجالات ونفوذ أن المادة 49 هي لا شيء! هذا القول هو مؤشر لتعامي لبنانيين ما زالوا عرضة للمخادعة وللضبابية في علم النفس التاريخي حول ما معنى دولة.
إنه مخجل، بخاصة منذ 2016، تساؤل رئيس دولة في لبنان: ما هي صلاحياتي؟ هل سمعنا مرة في التاريخ البشري رئيس دولة يسأل: ما هي صلاحياتي؟ هل يسأل مدير مدرسة ما هي صلاحياتي؟ مسؤوليته إنتظام العمل في المدرسة. هل يسأل رئيس مجلس إدارة ومدير شركة: ما هي صلاحياتي؟ وظيفته تسيير الشركة. يعلو رئيس الدولة على الصلاحيات على نمط الرئيس فؤاد شهاب. هل تسأل ملكة بريطانيا: ما هي صلاحياتي؟ مسؤوليتها مستقبل بريطانيا! لم أسأل نفسي يومًا في أي عمل مهني: ما هي صلاحياتي؟ إنه سؤال الموظف البروقراطي. أسال نفسي دائمًا: ما هي مسؤوليتي!
يُستخلص من الدراسة المقارنة للمجتمعات التعددية أن نهج الرئيس فؤاد شهاب، ليس حزبًا، ولا مجرد مرحلة سياسية، بل الوسيلة الوحيدة لحوكمة مجتمع تعددي. تؤكد المادة 49 من الدستور اللبناني بموجب تعديل 1990: «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة». ما معنى «رئيس دولة»؟ إنه الناظم لمبدأ سمو الدستور.
سعت الجولة الحادية عشرة للمفاوضات اللبنانية ـ السورية بإدارة April Glaspie (18/1 الى 26/3/1987) الى إبتداع تدابير دستورية عديدة في سبيل تحقيق مساواة مستحيلة بين المواقع الثلاثة العليا في الدولة. وبعد الإتفاق الثلاثي في دمشق (18/12/1985)، سعت الوساطة الدبلوماسية الألمانية ـ الأوروبية – الفاتيكانية (24/9 الى 3/10/1986)، والتي لم أكن غريبًا عنها، الى معالجة تربيع الدائرة quadrature du cercle في ما يتعلق بالمواقع العليا في الدولة. إنه موضوع مُستجد في العلم الدستوري المقارن في التوفيق بين المشاركة في الحكم والفصل بين السلطات partage du pouvoir et séparation des pouvoirs. طرحت تقنيًا مسألة فتح المواقع الثلاثة العليا في سبيل الخروج من معضلة تربيع الدائرة حفاظًا على مبدأ الفصل بين السلطات وتجنبًا في جعل رئيس الجمهورية «رجل بعبدا» أو رئيسًا فخريًا! ورد في فترات مختلفة 14 إقتراحاً في سبيل المساواة المستحيلة بين المواقع الثلاثة العليا.
طُرحت المداورة في المواقع الثلاثة العليا وطُرح إنشاء مجلس رئاسي (إميل خوري، «كرامي يطرح إعتماد المداورة في الرئاسات بعدما علم أن صلاحيات الرئاسة الأولى لن تمس»، النهار، 20/12/1986 و29/12/1986). إزاء 14 إقتراحًا في فترات متقطعة في التشبيك والمحاصصة والتي تناقض مبدأ الفصل بين السلطات وتجعل من رئيس الجمهورية رئيسًا فخريًا أو رجل بعبدا، كانت عبقرية وحكمة وثيقة الوفاق الوطني – الطائف في جعل رئيس الجمهورية «رئيسًا للدولة» يحلف وحده اليمين الدستورية ويعلو على منطق الصلاحيات مؤتمنًا على سمو الدستور suprématie de la Constitution (أنطوان مسرّه، الوساطة الدستورية الألمانية – الأوروبية – الفاتيكانية بعد الإتفاق الثلاثي تاريخ 28/12/1985، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة «وثائق»، رقم 107، 2019، 202 ص).
الدولة هي المولجة بفعالية القانون miseen oeuvre du droit. بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية أعلن الرئيس بشير الجميل: بعد اليوم سنعمل على تطبيق القانون! في اليوم التالي لم يتقاعس أي موظف عن الحضور الى عمله! الحاجة الى إحداث صدمة نفسية تجاه ذهنية مارونية (ولا نقول الموارنة) ما تزال تعيش في مخيلتها لبنان الصغير كي لا يتبوأ بعد اليوم رئاسة الدولة إلا من يتمتع بتراث في ممارسة الشأن العام وثقافة سمو الدستور!
•••
إنها نظرية حوكمة لبنان gouvernabilité إنطلاقًا من خبرة السنوات 1958-1964. تطورت البحوث المقارنة حول الأنظمة البرلمانية التعددية (سويسرا، بلجيكا، البلاد المنخفضة، النمسا، جزر فيدجي، جزيرة موريس، إيرلندا الشمالية، زمبابوي، أفريقيا الجنوبية، الهند، بخاصة لبنان…) منذ السنوات 1970. لم يتابع علماء دستور لبنانيون وأجانب هذه الأبحاث، إلا قلائل. ظلوا غالبًا منغلقين في نمطية ذهنية كسولة ومغتربة أو يعقوبية.
اللقاء بين الرئيس فؤاد شهاب وعبد الناصر في خيمة على الحدود اللبنانية -السورية في 25/3/1959 هو بليغ في رمزيته. يحتاج لبنان الى رئيس دولة إستقلالي في دولة لبنانية مستقلة، لا رئيس يتواطأ مع الإحتلال لتمديد ولايته، ولا رئيس يستفيد من دعم خارجي بعد تفريغ متعمّد لموقع رئاسة الدولة، ولا رئيس يعتمد استراتيجية الفراغ والتعطيل.
إن مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وكل الإصلاحات هي قضايا رديفة ولا معالجة عادلة وبالعمق لها بدون دولة تمتلك كامل صفاتها المسماة ملكية: إحتكار القوة المنظمة، واحتكار العلاقات الدبلوماسية، وفرض الضرائب وجبايتها، وإدارة السياسات العامة. لا يستمد رئيس الجمهورية القوي قوته من شعارات متداولة حول القوة. قوته سمو الدستور الذي يعلو على كل الصلاحيات بمعنى علاقات سلطة ونفوذ وتبادل منافع. يعني ذلك تمتع رئيس الدولة بملامح وصفات شخصية profil وتراث في العمل العام.
تشكل مذكرات الأب Louis-Joseph Lebret المنشورة حديثًا جوابًا على إختبار تاريخي. يُدرك اللبناني الدولة، لأسباب تعود الى علم النفس التاريخي، كجهاز خارجي. يقول Dominique Chevallier بشأن مؤلفين لبنانيين: «إستغربت لديهم إنحلال مفهوم الدولة وغياب مرجعيتها. واقع الدولة مغيّب».
يكمن عمق مثاقفة الدولة من خلال شهادة فؤاد بطرس الذي يقول: «في سياق استعراض الظروف والتطورات والتوقعات طرح عليّ (فؤاد شهاب) السؤال الآتي: هل تعرف سابقة كان على سياسي لبناني أن يختار بين مصلحته الخاصة ومصلحة البلد فآثر مصلحة البلد على مصلحته الخاصة؟ ترددت قليلاً وأجبته بأني لا أذكر سابقة من هذا القبيل. فصمت وهز رأسه. وحيال دقة الظروف والتوقعات السوداء نصحني عندما ودعني بأن «أحمل السلم بالطول لا بالعرض» قاصدًا الحياة وإشكالاتها… وإني لا أزال أتأرجح بين الطول والعرض حتى اليوم».
•••
لا فائدة من مناقشة كل هذه المعطيات حسب سجالات الماضي والحاضر حول رئيس الدولة! الهدف هو استشرافي في سبيل زعزعة مخيّلة من الماضي وفي علم النفس العيادي ما تزال تعيش في ذاكرتها لبنان الصغير وهي عرضة لمخادعة شعبوية. تكمن المعضلة في ضرورة اعتماد نقد ذاتي لمخيلة امتدت اليوم شعاراتيًا. أنا روم كاثوليكي، وماروني سياسيًا ووطنيًا وتراثيًا وروحيًا، مغرم برجال دولة وفكر وقديسين موارنة! من المخجل أن يستجدي «رئيس دولة» (ماروني) ما يسميه صلاحيات! «رئيس الدولة» (الماروني) هو الضامن في قمة الحكم للبنان الكبير والسيادة والتراث اللبناني العريق والدور العربي والعالمي المميّز إنسجامًا مع مقدمة الدستور: «لبنان عربي الهوية والإنتماء».
•عضو المجلس الدستوري سابقًا، 2009-2019
المقال يعبّر عن رأي الكاتب
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]