.jpg)
كتب شوقي عشقوتي في “المسيرة” – العدد 1725
في نهايات العام 1989، رافقت وفدًا نيابيًا الى الطائف. النواب كانوا حصرًا من «المنطقة الشرقية» التي كانت وصلت في نهاية الثمانينات الى نقطة الذروة وعلى كل المستويات. مكثت هناك مع مجموعة من الزملاء الصحافيين لمدة شهر تقريبًا، وسنحت لي فرصة مواكبة عملية البحث عن حلول وتسويات وتغطية أعمال مؤتمر البرلمانيين اللبنانيين الذي أنجب بعد مخاض غير عسير ما عُرف بـ»اتفاق الطائف». كان هذا الإتفاق وسيلة وثمناً لوقف الحرب الأهلية أكثر مما هدف الى إيجاد حل جذري للأزمة اللبنانية، وما كنا نفضّل تسميته آنذاك «القضية اللبنانية».
لم يتأخر الوقت حتى تأكد لي هذا الأمر، بعدما تعرّض إتفاق الطائف لعملية تحوير وتحريف في التطبيق منذ اللحظة التي اغتيل فيها «رئيس الطائف» رينيه معوض، لينتقل «الإتفاق» من تحت رعاية أميركية ـ سعودية ـ سورية الى رعاية سورية حصرية لم تكن في الواقع إلا وصاية وهيمنة. وبعد ذلك، حصل إختلال فظيع في ميزان القوى الداخلي مع تغييب الزعماء المسيحيين ونشوء فراغ قيادي نجح البطريرك نصرالله صفير في ملئه جزئيًا، وقيام محور ثلاثي متناغم «الحريري ـ بري ـ جنبلاط»، وتعاظم قوة ونفوذ «حزب الله».
شكَّل العام 2005 نقطة تحوّل في مجرى الأحداث بعد شطب الرئيس رفيق الحريري من المعادلة وخروج السوريين من لبنان وقيام إنتفاضة وطنية شعبية عارمة في 14 آذار، لتكر بعد ذلك سبحة الأحداث والأزمات الحكومية والمعارك السياسية والحروب الكبيرة (تموز 2006) والصغيرة (7 أيار 2008)، والتسويات الفرعية التي كان أبرزها إتفاق الدوحة. هذا الإتفاق شكل أول مساس باتفاق الطائف وتعدٍّ عليه، وأدخل تعديلاً في مساره التطبيقي.
بين 1990 و2020 ثلاثون عامًا لم يعرف فيها لبنان إستقرارًا ولم يستتب فيه «الأمن السياسي»… في الـ15 عامًا الأولى التي انتهت في العام 2005، كان الإستقرار وهميًا، إستقرار «الأمر الواقع» الذي كان فيه السوري «ضابط إيقاع» ولاعبًا على التناقضات والتوازنات، والذي كانت فيه مظاهر الرفاهية والبحبوحة خادعة وزائفة. في الـ15 عامًا الثانية، أزمات تناسلت وتوالدت وتراكمت، الى أن حدث الإنفجار الشعبي والإنهيار الكبير بدءا من العام 2019. هنا تأكد أن الوصاية السورية لم تكن كل المشكلة، وأن هناك خللاً وعطبًا بنيويًا في النظام السياسي، وأن إتفاق الطائف لم ينجح في أن يكون التسوية التاريخية العادلة والنهائية، ولم ينجح في إرساء وضع وطني وسياسي مستقر وفي بناء دولة المؤسسات، وفي طمأنة الطوائف وتهدئة روعها وإيجاد هذه المساحة المشتركة للتفاعل الإيجابي فيما بينها.
ما حصل ويحصل منذ ثلاث سنوات هو أسوأ ما عرفه وعاشه لبنان واللبنانيون في تاريخهم، وعلى الأقل منذ مئة عام، وقيام دولة لبنان الكبير. الأزمة ليست أزمة حكم ولا حتى أزمة نظام، وإنما غدت «أزمة كيان» وتتوافر فيها كل مواصفات «الأزمة الوجودية»… ليس فقط اللبنانيون مهددون في وجودهم وحياتهم وأمنهم الاقتصادي والصحي والغذائي. لبنان، الكيان والدولة، هو المهدد بكليته. يقف في مهب الأزمات الداخلية وفي عين العواصف الإقليمية، يصارع الموت من أجل البقاء. أما لبنان الشعب، فتتنازعه إرادة البقاء والصمود المكلف والمرهق، ورغبة الهجرة قهرًا وقسرًا. هذه أكبر وأخطر موجة هجرة يواجهها لبنان لأنها أولاً هجرة نوعية نخبوية، ولأنها ثانيًا، وهذا الأهم، ليست هروبًا من واقع خطر أو لا يُطاق، ولا تتم لأسباب أمنية واقتصادية وإنما لأسباب «استراتيجية» ونفسية، ولانعدام الثقة بالمستقبل والشعور بأن الآفاق مسدودة.
لبنان تغيّر كثيرًا في ثلاث سنوات. كبر وشاخ وهرم. لم يعد لبنان الذي نعرفه ولا الذي يشبهنا. عاثوا فيه فسادًا وخرابًا وأمعنوا في اغتصابه وإذلاله وتغيير وجهه ونمط عيشه وثقافته. الى هذا الحد الأزمة كبيرة وعميقة واستثنائية، والحلول لها لا يمكن أن تكون إلا حلولاً إستثنائية كبيرة ومستدامة. وتنطلق من الواقع اللبناني، واقع التعددية الدينية والطائفية والثقافية والإجتماعية. هذه تركيبة لبنان التاريخية، هذه هي فرادته ورسالته. هذا هو سر تميّزه عن كل الدول العربية. ومن دون هذه التعددية و»الخلطة السحرية» لا معنى للبنان ويفقد مبرّر وعلّة وجوده…
المسألة اليوم لم تعد مسألة خلاف حول طروحات وخيارات وأي منها هي الأصح والأصوب: تطوير الطائف «المستنفد» أم إعلان دولي لـ»حياد لبنان»، أم إتفاق وطني على تحييد لبنان عن الصراعات والمحاور الإقليمية، أو الذهاب الى لامركزيات موسّعة وفدرالية… المسألة اليوم هي مسألة خلاف على لبنان، مفهومه، دوره، وظيفته، رسالته، تموضعه، علاقاته… إنه خلاف جوهري عميق يستلزم حوارًا واتفاقاً وطنيًا وعقدًا إجتماعيًا جديدًا، وعلى أساسه تبنى منظومة العلاقات والتوازنات والمصالح بين الطوائف.
نحن أمام أزمة إستثنائية غير مسبوقة والخروج منها لن يكون بطرق عادية غير مبتكرة. جزء أساسي من الأزمة يتعلق بالنظام السياسي، ولكن ليس هذا كل شيء. إنها أزمة متعددة الأبعاد، متداخلة داخليًا في عناصرها السياسية والطائفية والاقتصادية والإجتماعية، مترابطة خارجيًا مع صراعات ومحاور ومصالح و»لعبة أمم»… هناك «معضلة» الفساد الذي نخر جسم الدولة من رأسها الى أخمص قدميها، تُضاف إليها مشكلة النظام السياسي الذي لا يتيح إعادة إنتاج السلطة وضخ دم جديد في الطبقة والحياة السياسية. وتبقى مشكلة «حزب الله» الذي مشروعه أكبر من لبنان، مع تحوّله الى لاعب إقليمي من ضمن المشروع الإيراني في المنطقة. هذه المشكلة تتجاوز قدرة لبنان وطاقته، وحلها لا يكون إلا عبر تسوية كبرى في المنطقة أو حرب كبرى، أو تدخل دولي لتطبيق القرارات الدولية.
ليس المهم إطار البحث عن حل وكيف يتم ذلك، على طاولة حوار وطني أم عبر مؤتمر تأسيسي. المهم هو توافر الإرادة السياسية عند كل القيادات والقوى للوصول الى حل واتفاق والى «نظام جديد»، وأن تكون نقطة الإنطلاق ثوابت وقناعات مشتركة راسخة بأن لا حل إلا الحل السياسي وعن طريق الحوار، ولا حل بالإكراه وبالقوة، وأن أي فريق مهما علا شأنه وبلغت قوته لا يمكن أن يسيطر ويحكم بمفرده، وأن لبنان لا يُحكم بمنطق أكثريات وأقليات، وأن الدولة لا يجب أن تظل الحلقة الأضعف وسط طوائف وجماعات مستقوية عليها، وأن الحل العادل والشامل لا بد وأن يستند الى «ثابتتين»: وحدة الأرض والدولة، وتنوّع الشعب والمجتمع… على القوى اللبنانية الحية والفاعلة والناشطة أن تنتقل من حالة الغموض غير البنّاء الى مرحلة المصارحة الخلّاقة…
المقال يعبّر عن رأي الكاتب
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]