.jpg)
ليس تفصيلاً عابراً انكفاء “تيار المستقبل” ورئيسه عن السياسة اللبنانية. التداعيات كبيرة ومع الأيام ستظهر تباعاً. وإذا كان أهل “المستقبل” أدرى بشؤونهم، فالواقع الذي استقر عليه تيار رفيق الحريري، يرسل إشاراتٍ ودروساً ملآنةً بالعِبَر.
إن هذه السطور لن تتطرق إلى توصيف وتسمية وتحديد مسؤولية رئيس “تيار المستقبل” في إدارته لتياره وخياراته اللبنانية وعلاقاته السعودية. ولكن لا بد من التأكيد أن ما آل إليه “المستقبل” يشكل “خسارةً بالنقاط” لحقت بكل الذين يتصدون لمشروع “حزب الله”. ومن يقلل من هذه الخسارة بمقولة أن السُنَّةَ في لبنان “أمة”، وتالياً غياب تيارهم الوازن ليس بغياب فادح، كلام فيه من العزاء أكثر من الحقيقة، خصوصاً إذا اعتبرنا أن “الأمة” أصلاً ليست بخير.
ها هوذا أكبر حزبٍ يُمثِّلُ السُنَّةَ في أزمةٍ لا يُستهانُ بها، فكيف لحزب مسيحي كبير كالقوات اللبنانية أن يقرأ الأسباب والنتائج؟
1- إن البنية التنظيمية المتينة لحزب “القوات اللبنانية” يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، لأن قوة الهيكل التنظيمي لها مفاعيل تتعلق بالمسؤولية التاريخية والوطنية للقوات اللبنانية.
2- إن نماذج “البيوتات السياسية” تدل إلى ديمقراطيتنا المنقوصة، لا إلى دليل عافية. فمن جهة تتغذى تلك “البيوتات” من منابع الأحزاب الفاعلة في بيئتها، لتصب الماء في قنوات البيئة المُخاصِمة، تحت عنوان مرونتها. فالأحزاب الكبيرة ماكينة يصعب التحكم باستداراتها، خصوصاً الاستدارات النافرة.
3- إذا كان هناك من يتعزى في أزمة “المستقبل” على اعتبار أن السُنَّةَ “أمة”، فلا عزاء للمسيحيين إذا اهتزت المتانة التنظيمية للقوات اللبنانية. أين الدستوريين؟ أين الكتلة الوطنية؟ أين الشهابية؟ وقريباً جداً سنسأل عن هذا البيت وذاك التيار! فقوة المسيحيين من قوة مؤسساتهم، هل كان يمكن أن يصمدوا سياسياً 1400 سنة لو تضعضعت مؤسسة البطريركية المارونية؟ أيهما أهم وأقوى للمسيحيين، طبيب ماهر أو مستشفى أوتيل ديو؟ أنستبدل جامعة الروح القدس الكسليك بمهندس ولو ترأس الناسا؟
4- الانتخابات النيابية على الأبواب، والتهويل بدأ من مدة: لا قيمة لأكثرية وأقلية. ولكن لو انضم مثلاً عشرة مستقلين إلى تكتل القوات اللبنانية النيابي، لأعاد المهوِّلون حساباتهم. وأي نفع لستين نائبا،ً وكل نائب يغني من شباك “بيته”؟
5- مرة جديدة “القوات اللبنانية” وحدها، كقوة مركزية، في ساحة المقاومة السياسية. غياب “المستقبل” لا يُعوّض بسهولة. وحضور الطارئين لا يُعوَّلُ عليه.
6- من ضمور إلى ضمور يتجه التيار العوني، فعلاقته بـ”حزب الله” كعلاقة “الأرملة السوداء” بذَكَرِها، فتلك العنكبوت تُتِيحُ للذَكَرِ المُجامعة ثم تبدأ بأكله! وأصحاب “البيوتات” لو امتلكوا حفنة من التواضع، لاكتشفوا أن من أقفل بابَهُ على نفسِهِ أكثر ممن بَقيَت داره دار ضيافة!
7- تنتظر “القوات اللبنانية” بعد الانتخابات، مصاعب واستهدافات أقلها من نوع “غزوة عين الرمانة”. سيحشد “المشروع الإيراني” قواه الضاربة ضد الحصن السيادي الأخير. فبعد “ابتلاع العونيين” وانكفاء الحريريين، وانتظارات المنتظرين على ضفاف الأنهر، لن يتورع “حزب الله” عن العودة إلى مرحلة ما بعد 2005. اغتيالات، وهذه المرة ستكون نوعية. انقلابات دستورية عبر أعراف وهرطقات في ممارسة السلطة التنفيذية.
8- مما لا شك فيه نضوج أفكار دولية بعد الانتخابات ستواكب مبادرة البطريرك بشارة الراعي في مسعاه الحيادي والسيادي. معركة حادة ستنشأ بين “الثنائي الشيعي” و”ثنائية البطريركية والقوات اللبنانية”. حدة المعركة ستُسقط أقنعةً كثيرة عن وجوهٍ من هنا، ووَجِيهٍ من هناك.
