#dfp #adsense

دستور تحت الإحتلال

حجم الخط

كتب بشارة خيرالله في “المسيرة” – العدد 1725

عند كل منعطف أو إستحقاق أو حادثة، يكثر الحديث عن «أزمة نظام» تفتك بالجسد اللبناني، فيما الأغلبية الناعية لنظام البلاد لم تقرأ الدستور اللبناني، أو على الأقل غير قادرة على تفسير أحكامه ومفرداته، في ظل إجتهادات وفيرة وهرطقات تهدف إلى تبيانه منتهي الصلاحية أو ربما غير صالح منذ إقراره، بالتزامن مع تجنيد جيش من العملاء يتربصون شرًّا بالميثاق الوطني القائم منذ ولادة لبنان الكبير على قاعدة ذهبية «لا شرق ولا غرب».

السؤال الذي يطرح نفسه، «هل طبقنا الدستور يومًا لنعرف مدى قدرته على تطوير الحياة السياسية في لبنان؟»، الجواب: «حتمًا لا».

 

الدستور أخلاق

أكاد أجزم بأن المشكلة ليست في الدستور ولا في «وثيقة الوفاق الوطني» التي أنهت الحرب الأهلية. لكنها حكمًا في وجود فريق يحمل الهوية اللبنانية ويستقوي على الدولة بسلاحه العامل على إيقاع الأجندة الإقليمية.

 

السلاح يحمي الفساد

لولا السلاح غير الشرعي لما رأينا معابر حدودية مشرّعة لكل أنواع التهريب تحت حجّة «خط إمداد المقاومة»، وهنا الفساد الأكبر، لحظة يتراجع مستوى العلاقة بين لبنان الرسمي ودول الخليج العربي الصديقة، تارةً بسبب تدخّل «حزب الله» في سوريا والعراق وصولًا إلى اليمن، وتارةً أخرى بسبب حمايته المعابر غير الشرعية المفتوحة لكل أنواع التهريب والتهرّب الجمركي المحجوب عن خزينة الدولة (على ناس وناس)، والتي تصدِّر عشرات ملايين حبوب الكبتاغون إلى هذه الدول للعبث بأمنها الإجتماعي من جهة، وتأمين الدولارات الطازجة لخدمة المشروع الجهنمي.

إذًا، السلاح نفسه يستجلب كل هذا الضرر فيتعطل النظام، وننتظر أشهرًا طويلة لتتألف الحكومة التي تُرضي أصحاب السلاح، وأشهرًا إضافية لتوزير من يخدم مشروع إيران بتوفير أي غطاء مسيحي أو سنّي أو درزي، لإضفاء الصفة الوطنية بقوة البندقية. ومن الممكن أن ننتظر سنوات من الفراغ لإيصال رئيس يخدم مشروع الولي الفقيه، وإلّا: «لا جلسة ولا رئيس». وعليه نستطيع الجزم بأن المشكلة ليست في النظام ولا في الدستور، إنما في وجود سلاح فوق الدستور.

ولا بد من التأكيد أن الفريق القادر على تعطيل هذا الدستور، يستطيع منع الإنتقال إلى أي صيغة لا تناسب مشروعه كما يمكنه تعطيل أي دستور آخر.

دستورنا عظيم، مع وجود بعض الثغرات ووجوب معالجتها بهدوء وحوار لتحصينه والحفاظ عليه لضمان الحفاظ على لبنان، ثم العمل على تطبيقه حرفيًا بأخلاق دستورية عالية، لا على الطريقة السورية أو الإيرانية.

السؤال اليوم: من يمنع رئيس الجمهورية القابض على أَزِمَّة الحكم والحالف أمام البرلمان يمين الإخلاص للأمة والدستور (المادة 50) من ممارسة صلاحياته، غير سياسة «ما خلّوني»، وفي تعبير أدق «السلاح ما خلّاني». ولو تغلّفت الأعذار بمسمّيات خادعة مثل حقوق الطوائف والزعامات القوية في الطوائف.

 

النزيف الاقتصادي

إن إخراج لبنان من دوامة الإنهيار والفوضى يتطلب بالدرجة الأولى الحفاظ على دستوره والنضال من أجل تطبيقه، والعودة إلى تحييده عن صراعات المحاور، وإعادته إلى الحضن العربي كشريك وكعضو مؤسس في جامعة الدول العربية، لتجديد دوره ورسالته كواحة للعيش المشترك وكموئل للحريات، وهذا ما يتطلب عملية تغيير جذرية في إطار إستراتيجية حقيقية تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة، لتنتظم الأمور بأدوات ديموقراطية لا تتأثر برهاب البندقية، وهي المفتاح الوحيد لتحرير الدستور من قبضة خاطفيه ومن سطوة الإحتلال.

 

من الطائف السوري إلى الطائف العوني.. طار البلد!

هي قصة إبريق الزيت بين إتفاق الطائف والعماد ميشال عون.. قصة دستور تم تعديله بسبب إخلال رئيس حكومة إنتقالية مكلّفة بمهمة محددة وجب تنفيذها (حكومة إنتقالية من أعضاء المجلس العسكري مهمتها مقيَّدة بواجب واحد يُمليه الدستور، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط – 22 أيلول 1988)، أم قصة جنرال أوصله سلوكه لأن يكون بوابة عبور الإنتقال من نظام الجمهورية الأولى إلى الثانية بسكين المطبخ، ثم العودة إلى بعبدا بعد ربع قرنٍ ونيّف للقضاء على الجمهورية الثانية بأفكار تحاكي متطلبات ولاية الفقيه.

للمفارقة، عام 1988 تم تعيين المجلس العسكري برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون بسبب رفض القيادة المارونية ومعها السواد الأعظم من اللبنانيين الشرفاء الإنصياع لـ»انتخابات رئاسية بمرشح وحيد»، تحت شعار «مخايل الضاهر أو الفوضى»، وفي العام 2016 استلم الجنرال نفسه سدة الرئاسة بنتيجة «انتخابات رئاسية بمرشح وحيد»، تحت شعار «ميشال عون أو الفوضى» بعد الفراغ.

للمفارقة أيضاً، إتفاق معراب الشهير بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع لم يكن الأول، ويُمكن تسميته «إتفاق معراب 2»، لأن «إتفاق معراب 1» تم في قصر بعبدا سنة 1988 لحظة استلام العماد عون سدّة المسؤولية (الحكومة الإنتقالية) وإطلاق وعده الشهير للدكتور جعجع بالحفاظ على «القوات اللبنانية»، ومن ثم وصف جعجع لحكومة عون بأنها «حكومة الإستقلال» قبل إنقلاب عون على كل وعوده وعهوده في سبيل كرسي الرئاسة، ما أوصل إلى إحتلال لبنان وتدميره على رؤوس جيشه وشعبه ومؤسساته. فصارت المعادلة هي التالية: «لا تحرير ولا إلغاء (1988-1990)، ثم لا تغيير ولا إصلاح (2005 – 2016)، وصولًا إلى لا عهد ولا قوة (2016 – 2022)».

نختم لنستنتج هذا المختصر: لبنان الكيان قائم على «زواج مدني» بين المسلمين والمسيحيين، وأيًا كان شكل الدستور، لن تقوم قائمة للـ»سيستم» السياسي ـ الاقتصادي في ظل وجود سلاح يعبث بصورة لبنان التاريخية ويضعه في عين العاصفة الإقليمية في مواجهة مجتمعه العربي الصديق المحب، لينهار الاقتصاد ويخسر خيرة شبابه لحساب دول تستفيد من قدرة اللبنانيين على المساهمة في مواكبة التطور، فيما لبنان المنهك قابع تحت رحمة خاطفيه.

• مساهمتي في العدد السنوي 2022 الصادر عن مجلة «المسيرة» تحت عنوان «دستور تحت الإحتلال»

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل