الماعز في قصر العدل؟

عندما يقول رئيس الجمهورية ميشال عون، إن تمسكه وإصراره على “التحقيق الجنائي” لا ينطلق من اعتبارات شخصية، بل من حق اللبنانيين في أن يعرفوا أين ذهبت أموالهم، ربما يجب أن يتذكّر أن هناك معرفة واضحة ومتداولة بين الناس، عن البواليع التي شفطت أموالهم، وفي مقدّمها قطاع الكهرباء الذي كلّف الدولة ٤٣ ملياراً من الدولارات، وهو ما يتجاوز نصف الدين العام، وهذا الرقم ليس نتيجة اجتهادات شعبية، بل هو نتيجة إعلانات متكررة من الدولة عينها، وهذا ربما وارد في دراساتها التي يُفترض أن تقدّم الى صندوق النقد الدولي، فلماذا لم يتجه “التحقيق الجنائي” الى هذا القطاع مع أن فريق عون السياسي عاد الى الحكم منذ عام ٢٠٠٥ وتمتع بأغلبية كبيرة في السلطة ومنها تمسكه دائماً بوزارة الطاقة وهي البالوع الأكبر في الخسائر الكارثية؟

مجرد سؤال عرضي يدور يومياً في بيوت اللبنانيين، الذين يعرفون كيف تجري الأمور بعدما وصلت الملاحقة القضائية الآن الى المدير العام للأمن العام اللواء عماد عثمان، بعد حاكم البنك المركزي رياض سلامة، ولا داعي للإفاضة أكثر في هذا السياق، لكن الأهم لماذا لا يُستدعى الرئيس نجيب ميقاتي شخصياً الى المثول أمام القضاء، عندما يؤكد في خلال اتصال أجرته معه رئيسة كتلة المستقبل النائبة بهية الحريري “موقفه الرافض لتصرفات القاضية غادة عون وأن اللواء عثمان قام بكامل واجباته وكان على تنسيق معه ومع وزير الداخلية والبلديات، معتبراً أن الادعاء عليه محض افتراء ولا يمت الى الحقيقة بصلة، وأنه سيتابع شخصياً هذا الموضوع مع وزير العدل ومدعي عام التمييز لوقف هذا التمادي في الاعتداء على مؤسسات الدولة وهيبتها وكرامات القيّمين عليها”.

ربما يجب دعوة ميقاتي ووزير داخليته بسام مولوي للمثول أمام القضاء لأن اللواء عثمان كان ينسّق معهما في القيام بواجباته، أمام منزل رياض سلامة، عندما ذهبت دورية من أمن الدولة لجلبه أمام القاضية عون، لكن الأهم أن يذهب كثر في التحليل، الى درجة التساؤل عن مدى الحد الذي يمكن ميقاتي أن يتحمّله أمام واجباته الدستورية الصريحة والواضحة كرئيس للحكومة، قبل واجباته حيال دور الطائفة السنية في السلطة، فهل المطلوب في العمق، هو محاولة حشره للعجز عن تدوير الزوايا التي لم تعد قابلة للتدوير، بحيث يستقيل ليصبح بالتالي تأجيل الانتخابات من تحصيل الحاصل، وليس شكلاً بسبب هلع الذين يستقتلون لتأجيلها منذ الاعتراض على القانون الانتخابي الى “سقطة” المجلس الدستوري، الى دربكات محاولة منع المغتربين من المشاركة الفعالة في الاقتراع وصولاً الى “الميغاسنتر”… ودقّي يا مزيكا؟

بالمناسبة، كان المسؤولون أمس في صندوق النقد الدولي أمام صورتين للتاريخ وصلتا من لبنان البلد المفلس والمتهالك وما إن كان يستحق بوجود هؤلاء السياسيين الذين يقول عون إنهم حماة الفساد، يستحق عملياً المساعدة والإنقاذ ودعمه بالمليارات، أم على العكس يستحق البقاء في جهنم والحرق والتدمير كسدوم وعمورة.

الصورة الأولى كانت عن ملاحقة القضاء اللبناني لحاكم البنك المركزي، متناسياً مليارات الكهرباء والسدود والسمسرات المنهوبة، وحاكم البنك المركزي هو العضو المفاوض في الوفد مع البنك الدولي، وأيضاً ملاحقة المدير العام للأمن الداخلي اللواء عثمان لأنه ينفّذ القانون بعرفة رئيس الحكومة ووزير الداخلية، وهذا ما سيشجع فعلاً على التعجيل في تقديم المساعدات! أما الصورة الثانية فهي للمعزاة التي دخلت لتجول داخل قصر العدل في جديدة المتن، لتتفرج على العدل وقوس العدالة، وقد تمت مطاردتها بنجاح والحمدلله… وسبحانه في خلقه وملكه!​

المصدر:
النهار

خبر عاجل