#adsense

الاتفاق النووي يتقدّم… هل تتجه المنطقة إلى مزيد من الفوضى؟

حجم الخط

ربما تكون المفاوضات المضنية لإحياء اتفاق نووي دولي مع إيران على وشك الانتهاء، مع قول دبلوماسيين إن الاتفاق في متناول اليد بعد ما يقرب من عام من المحادثات. لكنّ منتقديه بدأوا يرصون صفوفهم حتى قبل أن ترى النسخة النهائية للاتفاق النور.

وأمس الخميس، أوردت وكالة “رويترز” مقتطفات من مسودة الاتفاق الجديد. ونقلت عن ديبلوماسيين أن اتفاقاً أميركياً طور التكوين لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 يرسم خطوات متبادلة من الجانبين على مراحل وصولاً إلى الامتثال الكامل، لكن أولى هذه الخطوات لا تتضمن إعفاءات من عقوبات النفط.

تنص مسودة الاتفاق، التي يزيد طولها عن 20 صفحة، على مجموعة من الخطوات واجبة التنفيذ بمجرد إقرارها، بدءً بمرحلة تتضمن تعليق إيران للتخصيب فوق 5 بالمئة، حسبما يقول ثلاثة دبلوماسيين مطلعين على المفاوضات.

ويتضمن النص أيضاً إشارات إلى إجراءات أخرى يقول الدبلوماسيون إنها تشمل رفع التجميد عن حوالي 7 مليارات دولار من الأموال الايرانية المجمدة في البنوك الكورية الجنوبية بموجب عقوبات أميركية، بالإضافة إلى إطلاق سراح سجناء غربيين محتجزين في إيران، وهو إجراء يشير إليه كبير المفاوضين الأميركيين روبرت مالي باعتباره شرطاً لإبرام اتفاق.

وبمجرد تنفيذ هذه المجموعة الأولية من الإجراءات والتأكد منها، تبدأ المرحلة الرئيسية لرفع العقوبات، وتبلغ ذروتها عند ما يسميه كثير من الدبلوماسيين بيوم إعادة التطبيق.

يقول دبلوماسيون إنه لم يتم الاتفاق على أمد هذه المراحل، وإن النص يتضمن العلامة “إكس” في موضع الإشارة للفترة بين الأيام المهمة مثل يوم إعادة التطبيق. ويقدر مسؤولون المدة الزمنية من يوم الاتفاقية حتى يوم إعادة التطبيق بما يراوح بين شهر واحد وثلاثة أشهر.

وتنقل الوكالة عن دبلوماسيين قولهم إن إيران ستعود إلى الحدود الأساسية مثل الحد الأقصى للتخصيب عند درجة نقاء 3.67 بالمئة.

وفيما لا تزال مسودة الاتفاق قيد النقاش، نسبت صحيفة “النيويورك تايمز” الى مسؤولين قولهم إن مسؤولين جمهوريين وديموقراطيين يضغطون على الرئيس الأميركي جو بايدن لعدم التزامها، ويثيرون تساؤلات عن كيفية خفض إنتاج إيران من الوقود النووي لمنعها من تطوير قنبلة بسرعة.

ويتوقع مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني، جون هانا، أنه إذا صوّت الكونغرس على الاتفاق “ستكون معركة سياسية دامية”، و”الرسالة التي يجب أن تخرج من هناك هي أن هذه الإدارة قد خضعت لإيران”.

وسأل السناتور روبرت مينينديز، الديموقراطي عن ولاية نيو جيرسي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية، خلال كلمة في الأول من شباط “لماذا نحاول ببساطة العودة إلى صفقة لم تكن كافية في المقام الأول ولا تزال لا تعالج بعضاً من أخطر مخاوف الأمن القومي لدينا؟”، في إشارة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة.

وفي كلمته، أشار مينينديز إلى أن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني هو الأكبر في المنطقة، وأنه استخدم لمهاجمة القوات الأميركية في العراق المجاور.

وحاولت إيران إطلاق قمر اصطناعي إلى المدار في كانون الأول لكنها فشلت، وكشفت الأسبوع الماضي عن صاروخ جديد طويل المدى يمكن أن يصل إلى إسرائيل أو دول أخرى في المنطقة.

ويهاجم الحوثيون اليمنيون المدعومون من طهران السعودية منذ سنوات، كما هاجموا الإمارات العربية المتحدة الشهر الماضي بصواريخ وطائرات مسيرة.

من هذا المنطلق، يرى مينينديز أن البرنامج النووي الإيراني “خطر واضح وقائم” و”يزداد سوءً بشكل غير متناسب يوماً بعد يوم”. ويضيف أنه “حان الوقت الآن لتنشيط جهود العقوبات المتعددة الطرف والسعي وراء سبل جديدة، وأفكار جديدة، وحلول جديدة لحل دبلوماسي”.

وفي موازاة ذلك، بدأت الأوساط الأكاديمية ومؤسسات الفكر ترفع الصوت محذرة من اتفاق نووي لا يأخذ في الاعتبار تبديد شوائب الاتفاق السابق.

وحذر الباحث ستيفن كوك في مقال نشره في مجلة “الفورين بوليسي” من أن الاتفاق النووي قيد النقاش سيحل مشكلة إقليمية واحدة، ولكنه سيسبب مشكلات أخرى.

وتطرق كوك خصوصاً إلى التداعيات المحتملة للاتفاق على الشرق الأوسط.

وذكّر بالآمال التي عقدت على الاتفاق الموقع عام 2015 لجهة إحداث تغيير جوهري في العلاقات الأميركية – الإيرانية التي كانت عدائية على مدى العقود الأربعة الماضية، وبالتالي تبديد مخاوف إسرائيل من البرنامج النووي الايراني.

وعن تلك الآمال أيضاً، ذكر بأن تخفيف العقوبات عن إيران كان يجب أن يمهد الطريق للقادة في طهران لتكريس الموارد للمجتمع الإيراني والتنمية. ومن خلال إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي، ستتضاءل الحوافز التي تدفع الجهات الفاعلة الإقليمية للانخراط في الأذى إلى حد كبير، حيث سيتعلم الجميع “مشاركة” المنطقة.

صحيح أن التغييرات الإقليمية التي كان الكثيرون يأملون أن تحفزها خطة العمل الشاملة المشتركة واعدة، لكن تبين أن الواقع كان مختلفاً تماماً.

رأت إسرائيل أن الصفقة تضع الكثير من الثقة في الامتثال الإيراني وقدرات مفتشي الأمم المتحدة، وأنها أعطت إيران “ضوءً أخضر” للانتشار النووي.

ولم تبدد الصفقة مخاوف دول الخليج من البرنامج الصاروخي الايراني ولا من تدخلاتها في المنطقة. وبدا الزعماء الخليجيون مقتنعين من أن وصول إيران إلى الأموال المجمدة سيُتيح لها تمويل وكلاء في جميع أنحاء المنطقة، ما يزيد من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، شعر قادة إيران بأنهم مضطرون لإثبات أنه على رغم إبرام صفقة مع الولايات المتحدة (والقوى العالمية الأخرى)، فإنهم لم يخضعوا لضغوط من “الشيطان الأكبر”.

وبالتالي، يذكر كوك بأنه بدلاً من المساهمة في استقرار المنطقة، خلقت خطة العمل المشتركة الشاملة ديناميات معاكسة، إذ صعّد وكلاء إيران عملياتهم. وطارد الإسرائيليون الإيرانيين أينما وجدوا، في سوريا وأوروبا وإيران نفسها، ولاحقاً في العراق. وفي الوقت نفسه، بدأ السعوديون والإماراتيون تولي شؤونهم بأنفسهم، بغضّ النظر عن رغبات الولايات المتحدة أو مصالحها.

يلفت كوك إلى إن الديناميات الإقليمية لم تتغير كثيراً، ما يجعل إعادة العمل بخطة العمل الشاملة المشتركة مزعزعة للاستقرار، كالاتفاقية الأصلية أو كقرار الرئيس ترامب بالخروج منها.

ويرى أن اتفاقاً يعيد لإيران مليارات الدولارات لا يلقى استحساناً لدى دول الخليج، وسط اعتقاد بأن الأموال لن تستخدم سوى لترهيبها وخدمة مصالح إيران في شبه الجزيرة العربية.

أما المسألة الكبيرة فهي في الحقيقة، وبالطبع، إسرائيل، وفق كوك. ففي الأشهر الأخيرة، أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت أن إسرائيل لن تكون طرفاً في اتفاق نووي مع إيران، وستتصرف “دون قيود” لضمان أمن البلاد.

وإلى الضربات الجوية الإسرائيلية في سوريا والعراق، من المحتمل أن يكون هناك المزيد من الحوادث كالتي وقعت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عندما توقفت مضخات الغاز عن العمل في جميع أنحاء إيران. ومع أن إسرائيل لم تعترف بهذا العمل، يبدو من المرجح أنها متورطة بطريقة ما.

ويخلص كوك إلى أن أحد الوعود الكبيرة من اتفاق نووي هو الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، فإن ما فشل المحللون في تقديره عام 2015 ويخاطرون الآن بعدم أخذه في الاعتبار، يتمثل في أن تؤدي الصفقة إلى إحداث عدم استقرار في المنطقة. وبالنظر إلى دافع إيران الطويل المدى لتطوير التكنولوجيا النووية، يتعين علينا أن نتساءل عما إذا كانت العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة تستحق العناء.

المصدر:
النهار العربي

خبر عاجل