
كتب زياد الصّائغ في “المسيرة” – العدد 1725
لبنان العيش الواحِد الميثاقيّ
فلسفة نموذجٍ حضاريّ!
كلُّ مقاربة تقنيّة في إدارة التعدّديّة واحتضان التنوّع في لبنان لا تأخذ بعَين الإعتبار فلسفة قيام الكيان اللبنانيّ تبقى مبتورة. لَم يختَر الآباء المؤسّسون، وعلى رأسهم المثلَّث الرحمات البطريرك الياس الحويّك، المُنعزلات الطائفيّة، أو الغيتوات المذهبيّة. إختاروا لبنان الكبير والعَيش الواحِد. ميزة لبنان الكبير تنوّعه الطائفيّ والمذهبيّ. ليست هذه الميزة لعنة كما يتبرَّع كثيرون في رجمها. ميزة التنوّع هذه نعمة وَسَمَت لبنان منذ ما قبل تكريسه كياناً سياديّاً دستوريّاً.
تعرّض لبنان منذ قيامه لاهتزازاتٍ بنيويّة لا سِعة لاستعادتها في هذه العُجالة من ناحية، وتاريخ وطن الأرز يشهد على تأثيراتها الكارثيّة من ناحيةٍ أُخرى. هل كان النظام اللبنانيّ بدستوره الميثاقي، وآليّات توزّع الشراكة في السُلطة فيه هو العُطب الأساس في الجمهوريّة الأُولى والجمهوريّة الثانية على حدٍّ سِواء؟ قد يكون من الأسهَل والأنسب لبعض الديماغوجيّات، والأيديولوجيّات، والمنتفعات الداخليّة والخارجيّة، تصويب الإتهام إلى ما اصطُلِح على تسميته «طائفيّة سياسيّة»، و»ديموقراطيّة توافقيّة»، وبالتالي الإنطلاق في التنظير إلى حاجة للإنتقال من «دولةٍ مركزيّة» إلى «دولةٍ فيدراليّة جغرافيّة» أو «دولةٍ فيدراليّة دستوريّة»، وفي الحالَين اندفاعةٌ نحو تصفية النظام المركزي على أنّه ولّاد أزمات. في الحقيقة، ومن دون الخَوض في نُبل التجارب الفيدراليّة الدوليّة والعربيّة وفعاليّتها ونجاحها في إدارة التنوّع والتعدّديّة، وفي هذه نماذج كثيرة ناجحة، إلاّ إنَّ يبدو جليّاً تجاهل مُتبنّيّ هذه الإندفاعة لسِمَتَين مؤسِّسَتَين لأيّ فيدراليّة دولتيّة، وهما إتفاقٌ كامل على السياسة الدفاعيّة والسياسة الخارجيّة، وهُنا مصيبة لبنان، ليس بطبيعة نظامه الأرقى في الشراكة الميثاقيّة، بل في أركان المنظومة الذين انقلبوا على الدّستور، وذهبوا باتّجاهاتٍ لا علاقة لها لا بالمصلحة الوطنيّة العُليا، ولا بالأمن القَومي للبنان، ولا بالأمن الإنساني للشعب اللبنانيّ. عندنا جريمة ترتكبها منظومة وليس خللاً بُنيويّاً في الدستور الميثاقيّ. والأنكى أنّ فريقاً مسلّحاً غير شرعيّ يسيطر اليوم.
لا يعني كلّ ما سبق أنَّ النظام اللبنانيّ بترجمته الدستوريّة لا يحتاج تطويراً وتحصيناً، بل العكس فهذا مسارٌ حتميّ في طبيعة أيّ عَقدٍ إجتماعيّ. لكن لا يعني كلّ ما سبق أيضاً إسباغ اللّعنات المتتالية على هذا النظام الذي حمل في أساسه ميثاق اللاّشرق واللّاغرب أيّ تحييد / حياد لبنان، على تمايز كلٍّ من التَّعبيرَين، وحمَل أيضاً صيغة العيش الواحِد بين المكوّنات الروحيّة على قاعدة مواطنةٍ ودستورٍ مدنيّ / الدّولة المدنيّة، وحمَلَ بوضوحٍ طَرح اللّامركزيّة الإداريّة الموسَّعة / تقليص صلاحيّات الدولة المركزيّة الإنمائيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وحمَلَ بدِقّةٍ في مادته الـ95 إنشاء الهيئة الوطنيّة لإلغاء الطائفيّة استُكمِلت من ثمّ بموجب انتخاب مجلس نوّاب خارج القَيد الطائفيّ، مع مُراعاة هواجِس الطوائف في مجلس شيوخٍ مكوَّنٍ من ممثّلاتٍ وممثّلين عنها، وحَمَل من دون مواربة انتماء لبنان العربيّ، ومن دون مُساومة حصريّة السلاح بيَد القِوى العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة. هل طُبِّقَت أيّ من هذه المندرجات الكيانيّة الدستوريّة؟
يبدو أنَّ ثمّة من يتَّجِه لنَسفِ الوجهة النموذجيّة الحضاريّة لفلسفة الكيان اللبنانيّ، أيّ حُسن إدارة التعدّديّة في نظامٍ تشاركيّ في حين أنَّ العالم كلَّه يحتاج هذا النموذج. لبنان مدمَّر بسببٍ من ميغالومانيا، وبارانويا، ورهاناتٍ، وارتهاناتٍ لغَير مصلحته الوطنيّة العُليا. لبنان يواجِه جريمة منظَّمة في تحالفٍ مافيويّ – ميليشياويّ تمارسه منظومة عن سابق تصوّرٍ وتصميم. ما نحتاجه الآن إنقاذ لبنان من هذه المنظومة. البداية في الانتخابات النيابيّة ربيع 2022. لكن أيضاً في الانتخابات البلديّة والإختياريّة التي طُيِّرَت لغاياتٍ خبيثة في نفسِ أكثر من يعقوب، وفي الانتخابات الرئاسيّة. بعدها نبحث في طبيعة النّظام. هذا في ما يُعنى بالإستحقاقات الدستوريّة التي من الواجِب الإعتراف بأنّها تجري في ظِلّ إختلالٍ في موازين القِوى تفرضه سطوة سلاح «حزب الله»، مع حلفاء له، ومتواطئين معه، ومستعدّين لتسوياتٍ معه. هُنا مقتلة إمكان التغيير الراديكاليّ.
لبنان بلد التّسويات بالحقيقة لكن هلاَّ وضعنا لمرة معايير دَولتيّة (Étatique) لأيّ تسوية؟ في هذا فالِقٌ زلزاليّ بين السياسة – التكتيك، والسياسات العامة – الاستراتيجيا. وبالتّالي يجب أن نأخذ بعَين الإعتبار أنَّ المشروع الأساس لـ«ولاية الفقيه» هو حِلف أقليّات واستدعاء حمايات وتفتيت الهويّات الوطنيّة، وبناءً على ذلك فيدراليّات جغرافيّة تنطلِق من قاعدة طائفيّة مذهبيّة. الوقائِع تثبِت ذلك من محاولاته التي أفشَلها الشعب العراقي في الانتخابات النيابيّة الأخيرة، لكنّها مستمِرّة على قدمٍ وساق في سوريا ولبنان، وبتمايزٍ مفاهيميّ لكن تقاطعيّ في اليَمَن. ومن الواضح أنَّ بعض الإندفاعات اللبنانيّة نحو مخارِج كالفدرلة هو الأكثر إراحة لمشروع إيران وأذرُعها في المنطقة.
في هذا السّياق المسيحيّون في لبنان، مع إخوتهم في المواطنة من المسلمين واليهود والعلمانيّين الملحدين حتّى، معنيّون باسترجاع خيارات «رجاء جديد للبنان» (1997) والذي قال فيه البابا القديس يوحنا بولس الثاني «إنَّ لبنان أكثر من وطن، هو رسالة». وهُم معنيّون باسترجاع مخرجات «سينودس مسيحيّي الشرق الأوسط» (2021)، كما وثيقة «نختار الحياة: المسيحيّون في الشرق الأوسط: نحو خياراتٍ لاهوتيّة ومجتمعيّة وسياسيّة متجدِّدة» (2021)، والأهم فَهم المقاربة النبويّة التي قام بها قداسة البابا فرنسيس مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيِّب في توقيعهما على «وثيقة الأُخوّة الإنسانيّة» (أبو ظبي 2019)، ومن ثمّ زيارة البابا فرنسيس إلى المرجع الأعلى السيّد علي السيستانيّ (النجَف – آذار 2021)، وكلّ هذه المبادرات تصُبّ في خيار ترسيخ قواعِد الدّولة المدنيّة والمواطنة الفاعِلة الحاضنة للتنوّع. لا أدري ما قيمة الإستمرار في خياراتِ الإبحار عكس المنطق التاريخيّ لفلسفة قيام الكيان اللبنانيّ.
في أيّ حال، الإشكاليّة الأكبر تكمُن في استعادة نقاءِ القضيّة اللبنانيّة، وإعادة تشكيل الشخصيّة اللبنانيّة بالإستناد إلى ترميم الذّاكرة الجماعيّة، والعودة إلى جذور الهويّة اللبنانيّة حيث يجِب تفويق الخير العام على المصلحة الخاصّة. نحرُ تُراث أجدادنا ممنوع، وصَون دماء شهداء القضيّة اللبنانيّة الأبرار واجبٌ مقدّس. المساءلة والمحاسبة لكلّ ما ومَن دمَّر لبنان بالفساد والسلاح أساس أيّ بوصلة إنقاذيّة. هناك تنتصر العدالة. هناك نتحرَّر بالحقّ.
زياد الصائغ – المدير التنفيذي لـ«ملتقى التأثير المدنيّ» – خبير في السياسات العامة
المقال يعبّر عن رأي الكاتب
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]