.jpg)
في زمنِ ثقافةِ قَرصَنَةِ الوطن، وكَتمِ الأنفاسِ، وبَخسِ النّاسِ حقوقَها، وغَلغَلةِ مفاهيمَ باليةٍ في الرّضوخِ، يتمسّكُ مجتمعُنا المتَغَطرسُ، وبأكثرِ ذُكورِهِ ” الرجوليّين “، بمواقفَ ممقوتةٍ تنمُّ عن فوقيّةٍ غيرِ مبرَّرة، معلنةً عن دونيّةِ المرأة، والحقّ بنخاستِها، وبأنّ للرَّجُلِ اليدَ العليا في تحريكِ حياتِها، ليس لأنها ضعيفةُ البُنيةِ فحَسب، بل، ربّما، ليُثبتَ هو رجولتَهُ بنظرِ نفسِه.
هذا الموقفُ المسعورُ، بل المشحونُ بالتوحّشِ العنيف، والذي يرقى الى السّلوكِ المَرَضيّ، لا يُدرَجُ إلّا في إطارِ القهر، والتّمييز، والإكراهِ، والعدوانيّة. ويقودُ، حتماً، الى زجِّ المجتمعِ في انحطاطٍ سافرٍ، بتَجَنّيهِ على كرامةِ الإنسان، وبتَلطيخِهِ ضميرَ الإنسانيّةِ بالعار، ما يدعو الى التصدّي له بحَزمٍ لازم.
إنّ الدّعوةَ المتأخِّرةَ الى وجوبِ إقرارِ قانونٍ يفرضُ المساواةَ في التّمثيلِ النيابيّ، بين الرَّجُلِ والمرأة، هو، بِحدِّ ذاتِهِ، في زمانِنا، وفي وطنِنا، شكلٌ من أشكالِ التّحقير، وأسوأُ دليلٍ على التّمييزِ الجنسيّ. وبقَدرِ ما كانت الدّعوةُ جيّدةً، إذ أَتَت، ولو متأخّرةً، وهذا خيرٌ من ألّا تأتيَ أبداً، غيرَ أنّ التّقريظَ، والمدحَ، والإدّعاءَ، والتّفاخرَ، التي سادَت بعضَ البياناتِ والبرامجِ الإنتخابيّةِ لمرشَّحينَ يصَنِّفون أنفسَهم إصلاحيّين مُنفَتِحين، مُثَمِّنَةً هذا الإنجازَ غيرَ المسبوق، وكأنّهُ فَتحٌ لم يُشهَدْ له مَثيل، لا يمكنُ إلّا أن توصفَ بالخِزيِ، كونَها تُعلنُ، صراحةً، عن مدى تَخَلّفِ بلادِنا، ورجعيّتِها، وجاهليّتِها، وتَمَوضعِها الإنحطاطيّ، في ما خصَّ قضيةَ المرأةِ التي هي، حُكماً، النصفُ الإنسانيّ الذي يتساوى، مع الرَّجلِ، في الحقوقِ والواجبات، والقيمةِ الإنسانية.
كان يجدرُ بهؤلاءِ ” الطليعيّين ” أن يتذكّروا، من زمان، تَسييبَ المرأةِ لحقوقِها، وتَنويمَ قضيتِها في كهوفِ التعفّنِ، والوقوفَ في وجهِ استمرارِ إدراجِ لبنانَ على لائحةِ إرهابِ المرأة. لكنّ إيقاظَهم هذه المسألةِ، اليوم، لا يمكنُ إلّا أن نعتبرَه تَوَسّلاً مشبوهاً، وعقيماً، واستغلالاً رخيصاً لاستدرارِ عطفِ النّساء، واستمالتِهنّ في الإختيارِ الإنتخابيّ. أمّا إذا توغّلنا في قناعاتِ هؤلاءِ الإنفتاحيّين، أو أكثرِهم، لنكونَ مُنصِفين، فإنّنا نجدُ أنّ الخلفيّةَ الذّكوريّةَ الرجعيّة لا تزالُ هي هي، وأنّ الحديثَ عن مكتسباتِ المرأةِ هو ضربٌ من ضروبِ التّكاذبِ والمخاتلة، إذِ القَولُ تناقضُهُ الممارسة.
أمّا صيانةُ حقِّ المرأةِ في الترشّحِ للوصولِ الى المنتدى التّشريعيّ، فالتّنازلُ عن ذلك جريمةٌ، وغدرٌ، وظلم. فالمرأةُ هي القُطبَةُ العِلاجيّةُ النّاجعةُ من الحالِ المأزومةِ التي أوصلَتِ البلدَ الى التّلاشي، وهي وضعٌ صَدمَوِيٌّ يتحدّى الرّكود، والتّدَهورَ، والجُنوحَ الى اليأس. وهي المُتَحَدِّيةُ التي تتطاولُ على النّكبة، واليَدُ الجريئةُ التي تنهضُ الى الإصلاح، فِعلاً، وتَرتِقُ مِزقَ المجتمعِ المُتَشَتِّت، لأنها ترفضُ أن يكونَ الوطنُ، كما حوَّلَه مسؤولوه، تمثالاً وثنيّاً خاوياً، أو صَنماً يعيشُ صقيعَ الجُمود، فهي تراهُ حيثيّةً لها نصيبٌ من حقيقةِ الحياة.
المرأةُ، في المجلسِ النيابيّ، جبّارٌ لا يُغلَب، وعَينٌ ترى أنْ لا ظلامَ في الدّنيا، وإنّما الأنظارُ الكليلةُ، وما أكثرَها في برلمانِنا، هي التي تعجزُ عن رؤيةِ النّورِ. ولمّا كانت المرأةُ لا ترضى إلّا الوجودَ في الخطوطِ الأماميّة، فهي، بذلك، دائمةُ الطّموحِ الى الأفضلِ، والأرقى، تُفَضِّلُ طبيعةَ النّارِ على طبيعةِ الطّين. من هنا، فإنّ حَشدَ المرأةِ لطاقاتِها، وهي المُتَّقدةُ الحسِّ الوطنيّ، يمكنُ أن تُعقَدَ عليه الآمالُ العِراضُ لتحقيقِ ما عجزَ عن إنجازِهِ أَنصافُ الرِّجالِ، في بلادِنا، في نهرِ أيّامِهم.
لسنا، في هذا المجال، نجعلُ المرأةَ تحملُ ” إليسار ” تحتَ إبطِها، ونحوّلُها أسطوريّةً تجمعُ في شخصِها مجموعةَ مُبدِعين، لكنّنا نراها متمكِّنةً من مجاراةِ الكِبار، ومُساجلتِهم، أعلنَت انشقاقَها عن التَفَرّجِ، والقَبولِ بالتّهميش، لتكونَ في صُلبِ المشهدِ الوطنيّ، ولكنْ بدونِ لَقَب. لقد اختبرَتِ الألمَ الذي غاصَ في جسدِ البلاد، وتحوَّلَ جرحاً نازفاً دائمَ اللَّهيب، لكنّها لم تنزعْ الى الصَّمتِ، أو الى الشّكوى، بل جعلَت جرحَ الوطنِ قضيَّتَها، لأنها آمنَت بأنّ الأملَ لا يُرتَجى إلّا من رَحِمِ القهر.
إنّ قضيّةَ الوطنِ لم تكنْ قادرةً على التَفَلُّتِ من وجدانِ المرأةِ اللبنانيّة، ولا هي كانت تريدُ ذلك، وكأنّ هنالك تواطُؤاً بينهما. لذا، فإنّ نضالَ المرأةِ، في المجالاتِ كلِّها، يُطَمئِنُ الى أنّ المعركةَ الوطنيّةَ لن تنتهيَ بهزيمة، وهي لن تكون، كذلك، أبداً، بالنسبةِ لمَنْ هم في وزنِ المرأةِ اللبنانيّةِ، جرأةً، وقلباً، واندفاعاً، ورؤيا. إنّ وطنَنا الكئيبَ الذي لَحَّنَ فيه حُكّامُهُ إيقاعاتِ فقرٍ، وهجرةٍ، وإحباط، وأَماتوا في عروقِهِ رَجَحانَ الحياة، فباتَ حزنُهُ كبيراً، وظلامُهُ ملتَصِقاً بالتّراب، مُستَوحِشاً هربَ اطمئنانُه، ومُستَتِراً بأوراقِ المصالحِ والحِيَل، لن تُرتَجى قيامتُهُ، وتَصمتَ فيه حَرتقةُ الأَغلال، وتعودَ إليهِ طيبةُ الخيرِ والعدالة، إلّا إذا استلقى خَدُّهُ على كَتِفِ المرأة، وهذه ليسَت مجازَفَة، بقَدرِ ما هي أسبقيّةٌ في خدمةِ لبنان.