Site icon Lebanese Forces Official Website

لماذا “يشيطنون” سمير جعجع ويخوّنونه؟

لا يوفّر “حزب الله” فرصة لمهاجمة “القوات اللبنانية” ورئيسها سمير جعجع، ويبدو ذلك واضحاً كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية، وتأخذ الأمور منحى تخويني اعتاد عليه محور الممانعة الذي ينسب لمعارضيه صفة “الصهيونية” بمجرد الاختلاف معه بالرأي السياسي. لكن الأمور ليست بهذه البساطة، إذ ينشئ “الحزب” غرفاً سوداء أشبه بالغرف التي كانت لدى الاحتلال السوري، لفبركة الشائعات وما أكثرها في موسم الانتخابات النيابية. علماً أن الرأي العام أصبح محصّناً حيال هذه الفبركات والشائعات، وخصوصاً في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بات من السهل للمواطن معرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

رغم ذلك، يعرف “حزب الله” أن أكبر خطر على مشروعه هو جعجع و”القوات”، لأنهما يكشفان بالوقائع ما يرتكبه “الحزب” من جرائم بحق لبنان عبر اداء أقل ما يقال فيه أنه مستقو وغير مسؤول ولا يراعي مصلحة لبنان العليا، إنما مصالح إيران أولاً. في المقابل، تواجه “القوات” مشروع إيران في لبنان، بل تبدو رأس حربة وتقدّم مشروعاً بديلاً لبنانياً بحت، واضحاً ولا غُبار عليه، يستقطب الشعب اللبناني بكل أطيافه، مما جعل “الحزب” في وضعية الدفاع، لأنه يشعر أن بيئته تتأثر بمواقف “القوات” وكثر يتساءلون: “ماذا يفعل بنا “حزب الله”؟

أمام هذا الواقع، أطلق الجيش الالكتروني التابع لـ”الحزب” حملة على مواقع التواصل الاجتماعي وتحديداً عبر “تويتر” بعنوان “جعجع مشروع اسرائيلي”. وقد سبقها قبل يومين استغلال لتعليق أدلى به محلل الشؤون العربية في موقع القناة الـ ـ12 الاسرائيلية إيهود يعري، توقّع فيه خسارة “التيار الوطني الحر” الشريك المسيحي لـ”حزب الله” نصف مقاعده لصالح “القوات اللبنانية” حزب سمير جعجع صديقنا في حرب لبنان الأولى”.

 

هذا الكلام غير موثوق به أصلاً، وهذا المحلل الاسرائيلي، إذا كان كلامه صحيحاً، فهو لا يخدم به جعجع بل يعطي خصومه نقطة متقدّمة عليه، ويقدّم لهم ذريعة لكي يخوّنوه، علماً أن هذا الكلام يتضمن خطأ اساسياً، إذ لم يكن جعجع قائداً لـ”القوات” خلال الحرب الاسرائيلية الأولى وقصد بها اجتياح عام 1982، بل كان مسؤولاً عن قطاع الشمال ولم تكن لديه علاقة له بالإسرائيليين في تلك المرحلة، لأن القيادة كانت بيد بشير الجميل، وكلمة حق تُقال ان بشير نفسه لم يساعد الاسرائيليين في الاجتياح لعلمه أنه سيخوض معركة الانتخابات الرئاسية ولم يكن يريد إغضاب المسلمين في لبنان.

على أي حال، ليست المرة الأولى التي يُتّهم فيها جعجع زوراً، وتشنّ ضده حملات من “الحزب” وحليفه “التيار الوطني الحر”. فمنذ فترة انتشرت صورة لجعجع على مواقع التواصل الاجتماعي، قيل أن الاسرائيليين وضعوها في مناطقهم وكتبوا عليها “الحليف القويّ”، أظهر التفتيش عنها في محرك البحث “غوغل” أنها صورة منشورة في العام 2009 لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مع اسم “حزب الليكود”، وتبيّن أنها مركبة بالـ”فوتوشوب”.

ومنذ أيام، حاولت الغرف السوداء التابعة للممانعة والعونيين، الترويج بأن كاتب العدل انطوان جرمانوس الذي يحقق معه بتهمة التعامل مع اسرائيل، هو منتسب لـ”القوات”، وتبيّن ان جرمانوس ليست له علاقة لا بالقوات ولا بأحزاب أخرى.

في الأعوام الفائتة منذ 2005 وحتى اليوم، تم القبض على عشرات شبكات عمالة لإسرائيل وأوقف مئات الأشخاص بين متهم ومحكوم بالعمالة، وفيهم من كل الأحزاب وخصوصاً من “حزب الله” إذ بدا أنه البيئة الحاضنة للعملاء إلا من “القوات اللبنانية”، فلم يظهر أي متعامل، وهذا دليل على نظافة هذا الحزب ونزاهته. علماً أن فايز كرم أحد قياديي “التيار الوطني الحرّ” السابقين ضُبط بالعمالة بعد الحرب، ويبدو ان “حزب الله” لم يحرك ساكناً لأن العميل من حزب حليف، وهكذا أصبحت العمالة “غب الطلب”.

وللتذكير لقد تسلّم جعجع قيادة “القوات” عام 1986، فبدأ بالانفتاح على العرب وفي طليعتهم: منظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم العراق ومصر والجزائر وكرّت كل الشبكة، وقد اقفل كل المكاتب الاسرائيلية في المنطقة الحرة سابقاً، وقبل نهاية الحرب أنهي جعجع حتى التبادل التجاري مع اسرائيل، وهو لم يكن يوماً معجباً بالإسرائيليين، وخصوصاً أن تجربته معهم في حرب الجبل وشرق صيدا كانت مخيّبة للآمال، علماً أنه لم يكن في قيادة “القوات” في حينها ولم يكن ملف التعاون مع اسرائيل مناطاً به. ومعظم العارفين في كواليس تلك المرحلة أي عام 1983 يؤكدون أن الوحدات العسكرية التي رافقت جعجع إلى الجبل نظّمت خطة دفاعية ناجحة استمرت حتى الانسحاب الإسرائيلي من تلك المنطقة في أيلول من العام ١٩٨٣، عندها كان على “القوات” أن تواجه هجوماً ضخماً ومنسقاً بين القوات السورية وقوات فلسطينية تابعة لأبو موسى وغيره وقوات الحزب التقدمي الاشتراكي ومقاتلي القوى التي كانت تعرف بالوطنية، إضافة إلى أن الإسرائيليين كانوا منعوا عن “القوات” أي إمدادات وأي تمركز في مواقع استراتيجية وحساسة، كما أن الجيش اللبناني الذي كان العماد ميشال عون في عداده وقتها لم يحرك ساكناً للدفاع عن الأهالي المسيحيين في تلك المنطقة. رغم ذلك صمدت “القوات اللبنانية” أياما وقاتل أفرادها بشراسة ونظمت انسحاباً للأهالي ومقاتليها إلى دير القمر وكان على رأسهم سمير جعجع الذي لم يترك لا مقاتليه ولا الأهالي لينجو بنفسه.

في المقابل، لا بد من معرفة موقف “حزب الله” من تعامل مرجعيته ايران مع اسرائيل بعد الثورة ونستشهد بكتاب: “ملف المصالح المشتركة والتعاملات السرية بين ايران واسرائيل والولايات المتحدة الأميركية” تريتا بارزي عام 2008، ويقول: “في مستهل العام 1980، اي بعد شهور من اندلاع ازمة الرهائن، قام احمد كاشاتي، النجل الأصغر لآية الله العظمى ابو القاسم كاشاني، بزيارة اسرائيل- وعلى الأرجح انه كان اول ايراني يقوم بذلك بعد الثورة- لمناقشة مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري ضد البرنامج النووي العراقي في اوزيراك.

أثمرت رحلته عن موافقة بيغن على شحن اطارات لطائرات الفانتوم المقاتلة اضافةً الى شحن اسلحة الى الجيش الإيراني. جاء قرار بيغن متناقضاً تماماً مع مصلحة الولايات المتحدة وسياسة واشنطن الصريحة القائمة على فرض عزلة على إيران لتأمين تحرير الرهائن الأميركيين.

لكنّ تحدّي بيغن اتى ثماره، فقد بادل آية الله الخميني الخطوة الإسرائيلية بالسماح لعدد كبير من اليهود الإيرانيين بمغادرة إيران. عبر الآلاف منهم نحو باكستان باستخدام الحافلات، ومن هناك، جرى نقلهم بواسطة الطائرات الى استراليا حيث سمح لهم بالهجرة الى الولايات المتحدة الأميركية او الى اسرائيل. واستناداً الى محمد رضا امين زاده، وهو مسؤول ايراني فرّ من البلاد في العام 1985، أجرى عقيد في الجيش الإسرائيلي اسمه يوري المفاوضات على الصفقة، والذي زار إيران في مستهل العام 1980، كشف استعداد إيران للتعامل مع اسرائيل كيف أنّ المآزق التي كانت تعاني منها طهران حدّت من قدرتها على متابعة أهدافها الأيديولوجية”.

كل هذه الوقائع يحجب “حزب الله” نظره عنها، وما يهمّه “كبح” تصاعد شعبية “القوات” و”شيطنة” جعجع وتخوينه، رغم أنه كرر مرات عدة أنه ضد اتفاق سلام بين لبنان واسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية، إلا أنه يرى مواجهة إسرائيل هي مهمة الدولة اللبنانية وحدها حين يلزم الأمر، ولا تقتصر المواجهة على الجانب العسكري فحسب، وإنما هي مواجهة شاملة على المستويات الدبلوماسية والسيادية ومن خلال المجتمعين العربي والدولي، معتبراً أن كافة هذه الأمور غير متوفرة إلا من خلال الدولة اللبنانية وحدها.

لا بد من الاعتراف بأن العمالة لإسرائيل سيئة، ولكن في الوقت نفسه العمالة لأي دولة اجنبية أخرى هي عمالة، والعميل الفعلي هو الذي، بعد انتهاء الحرب واتفاق الطائف الذي نصّ على حلّ كل التنظيمات المسلحة، ظلَّ يتلقى اموالاً واسلحة وذخائر وتدريباً وخبراء من ايران، وفوق هذه الوقاحة، فإن من يدافع عن الناس يجب أن يحظى برضاهم للدفاع عنهم، ليس كما يفعل “حزب الله”، متحدياً كل أطياف الشعب اللبناني، ومحققاً مصالح ايران فقط، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يحقق إجماعاً من خلفه للدفاع عن لبنان سوى الدولة اللبنانية فقط، وطالما تعتمد “القوات” هذا الخطاب السياسي، سيستمر التخوين وتلفيق الفبركات والشائعات.​

Exit mobile version