لماذا الحياد والفدراليّة

كتب هشام بو ناصيف في “المسيرة” – العدد 1725

إن كان للمآسي المتناسلة في بلادنا منذ مئة عام من جذر مشترك، على تنوّعها، فهو هذا: هناك دومًا في المحيط قضيّة ما تعتبرها الهويّات العابرة للحدود عندنا أهمّ من مصلحة لبنان الوطنيّة، ما يرتّب علينا التضحية بأبسط مقوّمات وجودنا الحرّ في سبيل القداسة المفترضة لهذه القضيّة.

أولويّة المصلحة الوطنيّة على ما عداها حقّ مسلّم به للدول بالقانون الدولي العام، ومواثيق الأمم وأعرافها. باسم المصلحة الوطنيّة وطّدت السعوديّة علاقتها بالولايات المتحّدة منذ الأربعينات؛ وباسمها أيضا قمع الأردن الوجود العسكري الفلسطيني على أرضه عام 1970، ووقّعت دولاً كمصر، أو المغرب، أو الإمارات إتّفاقيّات سلام مع إسرائيل. لم تطلب هذه الدول إذناً من أحد للتصرّف كما رأته مناسبًا لها لأنّها لا تحتاجه بحكم حقّها الطبيعي بالقرار الوطني الحرّ. ولكنّ هذا الحقّ، المسلّم لكلّ دول الجوار، ممنوع علينا: مصلحة هذه القضيّة أو تلك دومًا فوق مصلحتنا، وقضيّتنا، ولو في عقر دارنا. بالأمس، عنى ذلك إدخال لبنان في أتون الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتشريع الوجود العسكري الفلسطيني. اليوم، يعني ذلك أن نتحوّل الى بيدق بيد إيران، تستخدمه كيفما شاءت، بما في ذلك دعمًا لحوثيّي اليمن، أو المعارضة الشيعيّة في السعوديّة. هنا، تكرارًا، جوهر كلّ المآسي وجذرها الأوّل: منع الوطن من التحوّل الى دولة، وتأبيد وظيفتنا كساحة لتصريف النفوذ الإقليمي، وصراعات المحاور، والحروب بالواسطة.

كراهية السلام، والإستخفاف بالأبعاد الليبراليّة للتجربة اللبنانيّة هو الوجه الآخر للمشكلة عينها. إستيلاء الفريق بكر صدقي على السلطة في العراق عام 1936 كان باكورة الإنقلابات العسكريّة في العالم العربي. أيّ إستعادة ولو سريعة لسيرورة دول الجوار يكشف الطلاق القيمي بينها ولبنان كما كان، حيث الجيش لا يحترف الإنقلابات، والرؤساء يصلون الى السلطة عبر انتخابات تنافسيّة بدل الإستيلاء عليها، والتعدديّة الحزبيّة، والحريّات الإعلاميّة. لم تكن التجربة اللبنانيّة كاملة على افتراض الكمال ممكناً على هذه البسيطة. ولكنّها بالتأكيد كانت متقدّمة، واحتمالات تطويرها حقيقيّة. باستثناء طبعا أنّ الهويّات العابرة للحدود ومنظوماتها القيميّة أرادت شيئاً آخر: تأديب الغرب، قهر الكولونياليّة، رمي إسرئيل في البحر، وما شابه. ما قدّمه لبنان قبل الحرب هو حقّ الفرد بالبحث عن السعادة في مجتمع مستقرّ حيث الطبقة الوسطى تتوسّع تدريجيّا. الشرط الشارط لهذا الوعد هو الإستقرار الداخلي، والإبتعاد عن الزلازل الإقليميّة ومغامرات عسكريتاريا العرب،  وأنظمة المحيط. هذا بالتحديد ما رفضته الهويّات العابرة للحدود، وترفضه. بالأمس هتف قلبها لجمال عبد الناصر. اليوم تصفّق لنظام الخامنئي. باختصار، منذ كان لبنان، هناك من أراد وضع مصلحته فوق كلّ اعتبار، والتركيز على إحتمالات بلادنا (وحقّها) بالمراكمة والتطوّر؛ بالمقابل، هناك من استهوته صيحات الحرب في الإقليم، وقضاياه الكبرى، ورجاله الأقوياء. لنقل إنّ هذا البعض فضّل هانوي على هونكونغ. فهم الشرخ اللبناني يبدأ من هذه النقطة.

بالحقيقة، لقد كان لهذا البعض ما أراد. ربّما يكون عهدا الرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب آخر سنوات لبنان كما كان يُفترض أن يكون. منذ اتّفاق القاهرة عام 1969، إنتصر لبنان ـ هانوي، على لبنان ـ هونكونغ. وبمقدار ما يمعن «حزب اللّه» مخالبه اليوم بالبلاد، بمقدار ما يتعمّق هذا الإنتصار. لا عجب، تاليًا، أن ينهار اقتصادنا، أو أن تصبح الإغتيالات مجرّد طريقة أخرى لممارسة العمل السياسي، أو أن تصير الانتخابات فولكلور دوري ينتج سلطة تتولى زمام الأمور شكلاً، بينما القرار في مكان آخر. هكذا تُدار هانويات العالم كلّه، من فيتنام الى كوريا الشماليّة، ومن إيران الى سوريا. ما كان يمكن أن تكون بيروت إستثناء، وهي فعلاً ليس كذلك.

إن كان وسط هذا الخراب العميم من قبس نور، فهو هذا: هناك، كما ذكرنا، من احتقر الإحتمالات الليبراليّة للبنان، لمصلحة منظومات قيميّة أخرى، وطرق مختلفة لإدارة الأمور. حسنا، جرّبناها. دماء شعبنا المشرورة في المرفأ، وفقر الباحثين عن قوتهم بين القمامة، والهجرة التي تفرّغنا كلّ يوم من أكثرنا حيويّة، وسائر تبعات المأساة التي نعيش، من نتائج هذه التجربة. هل فهم أغلبنا أنّ تحميل لبنان ما لا يحتمل، وجرّه الى حيث لا يطيق، يذبحه؟ إن كان الجواب أن نعم، فيعني أنّ القاعدة الشعبيّة لتحويل لبنان الى دولة محايدة باتت موجودة. يبقى العمل على ترجمة الرغبة بالحياد الى مشروع. لا يوجد فكرة واحدة، أو تصوّر لمستقبل بلادنا، أهمّ من هذا الهدف تحديدًا.

ماذا يعني الحياد قانونيّا؟ الدولة المحايدة كيان يمتنع عن المشاركة بالحروب الدوليّة، والتحالفات العسكريّة. عند وقوع نزاعات مسلّحة، تمنع الدولة المحايدة المتصارعين من إستعمال أراضيها عسكريّا. كما تعامل الدولة المحايدة هذه الأطراف على قدم المساواة، أي، تتجنّب ما يغيّر موازين القوى بينها. بالمقابل، يفترض بكلّ الجهات الخارجيّة الإمتناع عن دخول أراضي الدولة المحايدة، أو السعي للهيمنة عليها، أو التدخّل بشؤونها. يعني ذلك ضمن ما يعنيه الإمتناع عن تجنيد، أو تمويل، جماعات داخل الدولة المحايدة، لغايات سياسيّة. لو كنّا محايدين، لما استطاع النظام الإيراني تحويلنا لمنصّة صواريخ متقدّمة بخدمة استراتيجيّته الإقليميّة. ولما استطاع نظام حافظ الأسد أو منظّمة التحرير بالماضي القيام بالأمر نفسه بالأمس. لن يحلّ الحياد كلّ مشاكلنا، ولكنّنا لن نحلّ أيّ مشكلة دونه. الحياد بوصلة الوطنيّين اللبنانيّين. معركة الحياد، ولو طويلة، معركتهم.

هشام بو ناصيف – قيادي في لبنان الفدرالي

 

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل