
إذا أظهر لبنان الرسمي إرادة حقيقية في موضوع ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل فمن المحتمل أن يعطي مؤشرات الى رغبة مسؤوليه فعلاً في إنقاذه باعتبار أن ذلك سيكون المؤشر شبه الوحيد إلى جدّية معيّنة لا تبدو في مقاربة أيّ من ملفّات الإصلاح أو ما هو مطلوب من لبنان في التفاوض مع صندوق النقد الدولي. المنحى غير التفاؤلي الذي أعطاه الرئيس نبيه بري في حديثه الصحافي الى “الأهرام” المصرية بقوله “إن باب التفاهم مفتوح، لكنني لست متفائلاً لأنني أعرف نوايا إسرائيل التوسّعية والعدوانية” كان لافتاً بالنسبة الى متابعين ديبلوماسيين على هذا الصعيد، باعتبار أنه لا يلغي احتمال العرقلة التي قد تتعدّد أسبابها ولا تكون متصلة بإسرائيل ضرورة. وذلك من دون إهمال حرص بري على عدم توظيف أيّ موقف في إطار تفاهم تحت الطاولة أو متفق عليه مسبقاً. ومع أن موضوع ترسيم الحدود يشهد تجاذبات على خلفية اتهامات لرئيس الجمهورية ميشال عون تحديداً بالتراجع عن تعديل المرسوم 6433، فإنه لا يعتقد أن ذلك سيكون سبباً للعرقلة باعتبار أن لبنان غدا محرجاً في التراجع عمّا سبق أن تعهّد به أمام الاميركيين بالتمسّك بالخط 23 بموافقة جميع القوى التي حرص الموفد الأميركي على لقائها من أجل معرفة ردود الفعل من مصادرها المباشرة، لإدراكه أن أحداً من المرجعيات لا يتحدّث باسم أحد آخر، وكل يفتح على حسابه ويقيم حساباته.
وما حصل أن محيط رئيس الجمهورية لم يهتم بالتحضير إعلامياً وسياسياً لتراجعه السابق عن موقفه، ولا اهتمّ بتقديم شروحات استباقية درءاً لوصوله الى لحظة الإعلان عن تبدل موقفه، علماً بأن هذا الموقف الجديد حصل برفضه توقيع مرسوم تعديل الحدود إبان حكومة حسّان دياب وليس راهناً أو أخيراً مع وصول هوكشتاين الى بيروت. ومن شأن المضيّ في موضوع الترسيم أن يعطي الطبقة السياسية مبرّراً لتعزيز وضعها ويعطيها زخماً في حال حصول أيّ اتفاق نهائي قبل الانتخابات النيابية هي في أشدّ الحاجة إليه على المستوى الشعبي، إذ إنه الموضوع الوحيد الذي سيظهر لبنان كدولة مجدّداً تجلس الى طاولة التفاوض ولو على نحو غير مباشر بوساطة أميركية وبرعاية الأمم المتحدة مع دولة أخرى ولو عدوّة، من أجل إبرام اتفاق ما في الوقت الذي تستمرّ فيه مناشدات وتحذيرات الدول للمسؤولين اللبنانيين لتذكيرهم بالتزاماتهم ومسؤولياتهم ليس فقط في ضرورة إجراء الإصلاحات الضرورية لإنقاذ البلد بل من أجل التزام إجراء الانتخابات وعدم تطييرها كذلك. فلا وجود فعلياً للدولة أو مؤسّساتها وفق ما بات يلمس اللبنانيون بأنفسهم فيما لبنان كدولة غدا في الخارج نموذجاً للفساد والانهيار. ولذلك تكبر الخشية من أن لا يبقى ساحة فحسب يتيحها السياسيون لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية كما لتصفية حساباتهم ومصالحهم الشخصية والمباشرة، بل أن يصبح ورقة على طاولة التفاوض، أي تفاوض دولي أو إقليمي، كما في حال الحوار السعودي الإيراني أو الأميركي أو الفرنسي الإيراني. ومن هنا يكتسب ملفّ التفاوض على الحدود البحرية أهمّيته إذا قُيّض له عدم ربطه بحسابات سورية أو إيرانية كذلك.
وملف التفاوض من شأنه، وفق المتابعين أنفسهم، أن يغطّي الى حدّ كبير على السقوط المروّع للاقتصاد والمال وانهيار لبنان عبر تظهير السلطة نفسها التي اعتبرها زوّار ديبلوماسيون كثر مسؤولة عن عمد عن هذا الانهيار، على أنها قادرة وراغبة في الإنقاذ. فبين استخدام القضاء من أجل تصفية الحسابات السياسية أو الرغبة في تحقيق بعض المصالح كما في ما عمدت إليه القاضية غادة عون أخيراً في استهدافاتها الجديدة وغير المألوفة باعتبارها من خارج الأطر والأصول القضائية أو بين استهداف رؤساء المؤسّسات والأجهزة الأمنية أكان قائد الجيش أم المدير العام لقوى الأمن الداخلي، ثمّة ما يبقي على لبنان رهينة مصالح محلية وإقليمية يعتقد المتابعون الديبلوماسيون أنه متعمّد ولا سيّما في واقع استفزازي واستبعادي للدول العربية والخليجية منها تحديداً. وما قام به “حزب الله” أخيراً في تحدّي الدولة وعدم احترام وجوده في الحكومة كذلك ومسؤوليته انطلاقاً من ذلك في إقامة مؤتمرات لمعارضين للدول الخليجية لا يترك مجالاً لأيّ محاولات جدّية أو فرصة للدول التي تودّ أن ترأب الصدع فتلتفت الى لبنان مجدّداً.
لقراءة المقال كاملا اضغط على الرابط التالي:https://www.annahar.com/arabic/authors/21022022070854054