#dfp #adsense

كيف واجه جعجع سيناريو تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994؟

حجم الخط

في 27 شباط 1994، أثناء الذبيحة الالهية، انفجرت عبوة ناسفة في كنيسة سيدة النجاة ذوق مكايل-كسروان، أدت إلى استشهاد عشرة من المصلين، كذلك أصيب العشرات بجروح مختلفة. ذهول كامل، خوف، استياء عام أصاب المجتمع المسيحي في لبنان والكنيسة المارونية بشكل خاص.

حلفاء دمشق في لبنان يُلمحون إلى أن المنفذين هم “من أهل البيت”، ويربطون بين مجزرة الذوق ومتفجرة بيت الكتائب في الصيفي ومحاول اغتيال الرئيس الياس الهراوي.

في 28 شباط، ضرب الجيش اللبناني طوقاً أمنياً مشدداً على بلدة غدراس حيث كان يقيم رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع واتخذ اجراءات وتدابير صارمة بحق المتوجهين اليه. وفي 1 آذار، كان الجيش ينفّذ مداهمات لمنازل عشرات القواتيين بتهمة متفجرة سيدة النجاة ويعتقل العديد من الشبان. وبدأ المشهد يتضح أكثر فأكثر مع زيارة وفد عسكري سوري برئاسة وزير الدفاع مصطفى طلاس وزارة الدفاع في اليرزة، وعقد اجتماعاً مطولاً مع قائد الجيش العماد اميل لحود ومدير المخابرات ميشال رحباني ومساعده العقيد جميل السيد، ليبحث الأوضاع اللبنانية ومراقبة الأيادي العابثة بالأمن ومكافحتها!

كان جعجع يُدرك أن السلطة قامت بتفجير الكنيسة من خلال مجموعات حزبية موالية لها وبالتنسيق مع المخابرات السورية ومخابرات الجيش اللبناني وبأمر سياسيّ آت من دمشق، لذلك سارع إلى القول:”اننا نحمّل السلطة المركزيّة المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة تحديداً وعن كل قطرة دم سقطت وتسقط على الأراضي اللبنانية لأن ما توفر لهذه السلطة من دعم داخلي وخارجي ومن ظروف اقليمية ودولية مؤاتية لم يتوفّر لأي سلطة من قبل”. خطوة جعجع كانت محسوبة لسببين: الأول، لو لم يبادر إلى الكلام كانت السلطة ستعتبر ان “القوات” التي تدافع عن المجتمع المسيحي لم تنطق بكلمة وبالتالي هي الجهة التي ارتكبت الجريمة. الثاني مرتبط بالرأي العام الكسرواني الذي كان غاضباً وحزيناً ومستنفراً وبحاجة إلى من يشرح له ما حصل.

وتوالت الأحداث: تفكيك عبوة ناسفة أمام المركز الثقافي الفرنسي في محلة غدير في جونية، والسلطات تتهم عناصر قواتية بذلك، حملة اعتقالات غير مسبوقة طالت المئات من عناصر ومسؤولي ومحازبي “القوات” في بيروت وجبل لبنان والشمال وزحلة، وعناصر اضافية من الجيش تشدد الحصار على غدراس ومحيطها وتنشر العشرات من الحواجز، ومصدر عسكري يصرّح:”ان الخطوة تندرج في إطار خطة عملانية تهدف إلى تعزيز الوضع الأمني في المنطقة”.

في 10 آذار طوّقت وحدات من الجيش اللبناني منطقة غدراس ومحيط مقر جعجع وصدرت اتهامات عن مراجع أمنية تقول إن هناك مطلوبين موجودين في المقر. كان يتمّ تحضير الأجواء للاتهامات.

في 12 آذار، حاولت الدولة أن تضلل المواطنين بأن التحقيق بمجزرة سيدة النجاة يتقدّم في طريقه الصحيح، ومصدر عسكري يصرّح:”لن نسمح لجعجع بتحضير نفسه مجدداً للإنقضاض على الدولة”. ويضيف المصدر:”بعض المطلوبين للتحقيق موجودون في غدراس!”.

استمرت التوقيفات والاعتقالات ومداهمة المنازل للقواتيين حتى ارتفع عدد المعتقلين إلى 370، يخضعون لأسئلة المحققين بعد حفلات شنيعة من التعذيب والضرب المبرح، والاسئلة تخطت قضية متفجرة سيدة النجاة إلى قضية اغتيال داني شمعون وعائلته، والرئيس رشيد كرامي، وتفجير مطرانية الروم الكاثوليك في زحلة اواسط الثمانينات، واغتيال الدكتور الياس الزايك والعقيد خليل كنعان، وتفاصيل متعددة عن الحرب اللبنانية منذ العام 1975.

كان مشروع السلطة الإطباق على “القوات” وانهاءها لأنها كانت ولا تزال تشكّل العقبة الوحيدة على الأرض في مواجهة السيطرة السورية الكاملة على لبنان. كانت هناك أخبار كثيرة تتسرب من خلال التوقيفات التي طالت عدداً كبيراً من القواتيين، بشكل مقصود من قبل مسؤولين رسميين أو بواسطة أصدقاء مشتركين أو مقرّبين من جعجع لوضعه في جوّ ما يُحاك وبأن التوقيفات ستطاله في وقت قريب. كان تمّ توقيف نشرات الأخبار وصدر في نهاية الاجتماع الاستثنائي لمجلس الوزراء المرسوم رقم 4908 القاضي بحلّ حزب “القوات اللبنانية”.

قبل توقيف جعجع بعشرة أيام نقل اليه المحامي طوني مارديني رسالة مصدرها السلطة. كانت قاسية جداً ومصاغة بكلمات جارحة وبعبارات نابية. كان فحواها “إنو ما عاد معروض عليه شي. لأن كان معروض عليه السفر. ما عاد معروض عليك شي. لا السفر ولا الاشتراك بالسلطة ولا لجهة أنك تطلب أي مطلب. بدّك تندم كتير على المواقف اللي أخذتها لأن انفتحلك مجالات كتيرة وابواب كتيرة للحل وإنت رفضت. بدنا نقتص منك وبدّك من هلق وبالطالع تدبّر راسك بالطريقة اللي بتلاقيها مناسبة، لأنو رح نعمل فيك كذا وكذا وكذا”.

وبعد أخذ ورد بين جعجع ومارديني طوال الليل، انتهى الأمر بأن أبلغه جعجع قراره النهائي أنه سيمضي في المسار القضائي إلى النهاية. يريد أن يسلّم نفسه إلى القضاء ويريد أن يخضع للمحاكمة.

كان مارديني ضد هذا التوجّه بشكل قاطع. لكن جعجع كان مصراً عليه وكانت حجته، وهو احترم جداً هذه الحجة، وقال:”أنا مش رح اسمح بتسجيل سابقة بتاريخ المسيحيين إنو قائد “القوات اللبنانية” الزعيم المسيحي يتخلى عن شعبو وعن قاعدتو ويهرب وقت اللي الموس بتوصل لرقبتو. هيدي بدّها تكون مهتّه للمسيحيين لمئات السنين. أنا كسمير جعجع مش رح اعطي السلطة هالشرف هيدا. بعدين القضية كلفتنا الكثير من الشهدا والدم وعلى راسهم بشير الجميّل وهودي كلهم عندهم أهل وأقارب وإمات وأخوة وأخوات. ما حدا مقطوع من شجرة. ليش وقت بدّها توصل لراس المسؤول بدّو يفلّ؟ لأ. أنا بدّي واجه ومصيري بيسوا يكون متل مصيرهم. ولكن هالشي لازم يصير”.

جمّد هذا الكلام الدم في عروق المحامي مارديني، ولكنه بقي مصراً على ان المسألة أخطر مما يتصوّر، وان التاريخ شهد على زعماء أحزاب تمّت محاكمتهم واعدامهم بشكل غير قانوني، ومن المتوقع أن تؤول الأمور إلى خاتمة غير سعيدة، إلا أن جعجع بقي مصراً على موقفه وكان القرار واضحاً بالنسبة إليه.

وبالفعل ذهب جعجع إلى جلجلته، صمد وقاوم بصلابة تحت “سابع” أرض في سجون وزارة الدفاع، لكن قبل ثلاثة أيام من صدور الحكم في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة، وجد جعجع فراشة صغيرة في زنزانته، لونها أبيض، وكانت بمثابة الإشارة الأولى له بأن الحكم في قضية الكنيسة سيكون جيداً. وبالفعل أُعلنت براءته من قضية الكنيسة في 13 حزيران 1996، وعمّت الاحتفالات بكركي والمناطق المسيحيّة، وقال المحامي ادمون نعيم:”والحقيقة أصبحت ظاهرة”.

انها نموذج من نماذج قصص الظلم السياسي والوطني في هذا الشرق، وقعت ضحيتها “القوات اللبنانية” التي تبقى رايتها حاضرة للمواجهة والدفاع عن سيادة لبنان وحريته!

المصدر:
akhbarkum-akhbarna.com

خبر عاجل