#dfp #adsense

قال لي الغار عند مذبح سيدة النجاة

حجم الخط

11 شمعة أُضيئت تحت المذبح. مَن هؤلاء؟ اكليل الغار الصامت لا يتكلم الا حين تعبق الامكنة ببخور الشهداء،”لا تسألي يا صبية لمن هذه الشموع، انها صلاة الشهداء، انظري اليهم، اليان، ماري، الفريد، ميراي، انطوان، توفيق، منصور، اندريه، عبود توفيق، لا يزالون هنا يسكنون الصلاة تحت اقدام العذراء مريم عند مذبح كنيسة سيدة النجاة”…

يا ربي أما يزالون هنا؟ الم يتحرروا بعد من قيود الشر؟ من دماء اشلائهم؟ اما يزالون ينزفون مع النازفة منذ 28 عاماً؟ الم يمسح منديل فيرونيكا الدماء عن وجوههم ليبلسم المنديل جراحات المسيح؟

لم يجبني اكليل الغار، فتجولت في الكنيسة لأتلمّس الاسماء ووجوه البخور. “أتذكرون لبنان في 27 شباط 1994؟” سألني البخور هذه المرة. كيف لا نذكر يا عبق الرب. “لا، لا تذكرونه والا لكنتم تذكّرتم ان العدالة لاجلهم لم تتحقق بعد”… خجلت. جلست الى زاوية الكنيسة أتأمل من أصبحوا أسماء على بلاطة رخام، وسلطات لبنان تحب قتل الشهداء مرات ومرات. منذ 28 عاماً والشهداء يقتلون عاماً بعد عام بعد عام بعد عام…

27 شباط 1994 أتذكرون؟ 11 شهيدا من بينهم اطفال تضرّجوا بالجريمة ليضحك الجهاز الامني اللبناني السوري الحاكم، وليصفّق المحتل السوري لعميله الوفي الذي عمّد الابطال بإرهابه. ذهبوا الى الكنيسة للمشاركة بالذبيحة الالهية وكان أحد النازفة في زمن الصوم، فنزفت دماؤهم على مرأى من عيون الرب وامه، وتطايرت الاشلاء وطارت البلاد لتحط مباشرة في “حضن” الاحتلال السوري المشؤوم، وكل ذلك، كل ذلك لاجل القضاء على هؤلاء المقاومين الشجعان الذين لا ينسحبون من نضالهم، اولئك الذين شكّلوا آخر جيوب مقاومة احتلال الاسد للبنان، القوات اللبنانية وعلى رأسها ذاك العنيد الصلب سمير جعجع. قتلوا وطناً لأجل مقاومة فيه.

خمس عبوات زرعوها في أرجاء الكنيسة في أحد النازفة، شاءت العذراء ان تعطل اربعة منها وابى الشيطان الا ان يفجّر احداها تحت اقدام ام الرب. “وهيك امتزجت دماء الشهداء بدم الرب في كأسه ومعاً احتفلوا بأسرار جسده ودمه وذهبوا معه مباشرة على طريق القيامة”، هكذا قال لي اكليل الغار…

28 عاماً عبرت ولم يكبر الشهداء لأن العدالة لأجلهم صغرت صغرت صغرت، وتضاءلت الى حدّ الاختفاء عمداً في جوارير قضاء، قضت عليه سلطة الفساد والاحتلال. صغرت العدالة الى درجة ان لا اقصوصة ورق واحدة في جوارير القضاء اللبناني اسمها “تفجير كنيسة سيدة النجاة الذوق”! اختفى التفجير، واختفى الشهداء ويبس الدمع المالح، ولولا القداس السنوي الذي يقيمه الاهالي بمشاركة القوات اللبنانية، ولولا تلك اللوحة عند مدخل الكنيسة والتي درزت اسماءهم فوقها بحروف الذهب، لكانت الذاكرة محت تلك الذكرى التي لا تزال تحفر جمراً فقط في قلوب ألاهالي وفي ضمير القوات اللبنانية التي دفعت من بعد الاهالي، ثمناً باهظا باهظاً وهو اعتقال سمير جعجع ومئات المناضلين بتهمة لعلّها اسوأ التهم على الاطلاق بحق الانسانية، وهي تفجير بيت الرب.

“وانت صدّقت بوقتا انو القوات والحكيم بيفجروا كنيسة؟”، فأجابني اكليل الغار “لو شاء القمر ان يفجّر الشمس، والارض ان تقتل الينابيع، والليل ان يمحو النهار لما صدقت ان المقاومة ابنة الكنيسة قد تفجّر بيتها”. تهالكت الى مقعدي في الكنيسة مسترخية الضمير مبتسمة لشهادة من راحوا ليبقى من بعدهم لبنان. “لم تبتسمين؟ هل يعرف الموت بسمات؟” سألني اكليل الغار. ابتسم لوجوههم العالقة على شغاف وطن. صاروا حكاية موجعة جداً لكن فيها ما فيها من مجد السماء. استشهدوا عند اقدام الصليب وامتزجت دماؤهم بجسد المسيح وخمره. ارسل لنا عبرهم رسالة لا تقارب بلغة البشر، انما بلغة اهل السماء فقط، قال لنا اني اخترتكم لتكونوا ملح الارض، سأمزج دمي بدمائكم واحمّلكم صليبي المقدس لتستحقوا رجاء القيامة معي ولتستحق ارض لبنان تلك المقاومة المباركة المقدسة المعمدة بدم الشهداء وبنضال الاحياء”… خي ارتحت، الان وبعد 28 عاماً فهمت ابعاد ذاك الاستشهاد المدوي. عرفت ما كان يريد منا ومنهم المسيح…

فجّر الكافر ومعاونوه بيت الرب ليقضوا على القوات اللبنانية، حمل الاهالي صليب وجعهم، وحمل لبنان صليب مقاومة اسوأ الاحتلالات في ذاك الزمن. ألصقوا من بعدها تهمة التفجير بسمير جعجع. اعتقلوا الحكيم. قتلوا فوزي الراسي تحت التعذيب. اعتقلوا شبابنا، حلّوا حزب القوات اللبنانية واحتلوا كل لبنان باسترخاء تام بعدما ظنوا المساكين اننا متنا مع شهداء الكنيسة…

يا مجرم شو ما كان اسمك، واسمك مجرم عبد قبيح لسفاح جبان، انت الذي مددت يداك الملوثتنان بالعار الى معجن القربان وسرقت عمر الاطفال والشباب وحوّلت المذبح الى مجزرة الإنسانية، بينما حوّل الرب الناس لشهدا الحب، لا كنيسة سيدة النجاة نسيت اولادها ولا الأهل نسوهم، وايضا لم ينسوك بعد، ولا القوات ماتت ولا سمير جعجع انتهى ولا لبنان صار مقاطعة سورية، انت الذي لا تزال حياً، كنت اول الاموات، لقد انتهيت ولو اُحييت بالقوة من اسياد جدد زملاء لك في الارهاب، وها هو سمير جعجع الذي تكرهه، عاد رأس حربة من جديد في وجه الاحتلال الايراني، اسيادك الجدد، اذ ما اعتدت ان تكون سيداً بل عبداً في وكر المجرمين، واخبرك اكثر أن دم الشهداء ما يبست بعد، وسيكون لك موعداً قريباً مع العدالة هنا، قبل عدالة السماء، ولعل اسوأ قصاص تعيشه هو ان القوات اللبنانية صارت اكبر حزب شعبي مساحته مفلوشة فوق كل لبنان، وسمير جعجع رجل الدولة الوحيد في دولة منصاعة للدويلة، ولا يزال كما هو شاباً عنيداً شجاعاً يقاوم ورفاقه القواتيين والسياديين أمثالنا، باسم الرب لأجل ارض الرب…

اخبرهم يا اكليل الغار اننا لم ننسهم لحظة وحياة المذبح الذي استشهدوا فوقه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل