#adsense

أزمة لبنان وشرعة الأمم

حجم الخط

لقد استغاث لبنان، مراراً، من نهج العالم المتراخي في ما خصّ قضيّته، وبلغ به الشكّ مرحلة القلق من عدم الجديّة في التّعاطي مع الأزمة الحادّة التي لم يعد الشّعب يحتمل تداعياتها. وكأنّ هنالك مشروعا عدائيّا، يقوده أقربون وأبعدون، وتغضّ الدّول العظمى عنه نظرها، أو تشارك فيه، وهو مشروعٌ ذو أهداف مشبوهة ومدمّرة، أقلّ نتائجه تذويب الكيان اللبنانيّ، وبوار هويّته، وتجييره الى وصيّ أو منتدب.

الدكتور شارل مالك تساقط في نفسه صافي العلم، بعدما احتلت الوطنيّة ساح ذاته ولم تتركْ له، فيها، مطرحا. لكنّ جبلته السخيّة بالمواهب يسرت تعانقهما الذي نشأ، في رحابه، رجل فكر، وولاء، قائم السّاق على دور أصاب الكثير من ملامس العالميّة، وبدرجة عالية بلغها لأنه كان الأقدر تلفّتا الى الإنسان، والأعمق غوصا في اجتلاء الحقيقة، خصوصا وأنْ لا عقيدة أسمى من الحقيقة. إنّ صلة شارل مالك الوثيقة بالنمط الفكريّ، لم تطلقْ شرارتها، فقط، محفوظات هذا الرّجل المدمن على الإطّلاع، وقد تناهت الى مائدته أطباق العقل على مرّ الأزمنة، بقدر ما كان اختمار ثقافته بالتّجربة الإنسانيّة، وبمذهب السّلام، قد هز مارد الفكر عنده، فخرج من قمقمه ونطق.

لمّا كانت حياة الإنسان، كما الأوطان، يفسدها ذيوع الشرّ، فيتقنع العالم بالظّلم، ويأسره نقيع القهر، ولمّا مزجت الحروب الدم بالدمّ، وأزالت السّلام من مقارّ الناس، وبطشت بالبلدان فصار وجهها أسود الصفحة، لم يكن من بدّ لدعوة الى نصّ شرعة تجعل البشر يتصبّحون بالسلامة مع كلّ شمس. وكانت شرعة حقوق الإنسان التي تؤمن بأنّ في الأرض مجالا لا تضيق ظلاله، وكسوة لا يحار، معها، عريٌ، ونفسا أمّارة بالعدل وبصفاء العلاقة بين الآدميّين. وكانت وثيقة الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان أعظم إنجازات الأزمنة، والتي رفعت الملاءة عن فرص السّلام، ومارست أداء إسعافيّا لرتق الخروق، انتصارا لقضية الحقّ في البقاء. وقد كان لشارل مالك دورٌ رياديٌّ في تدبيجها، ومراجعتها، فدمغت بفكره الرّاقي، وختمت بحبر لبنان.

ولمّا كان الشرّ، في الناس، لا يفنى، وإنْ قبروا، فالشرّ قليله كثير، انسحب سلوكه على وطننا، حتى قيل : لولا تحريم لحم الناس، لأكل بعضهم البعض الآخر. في لبنان، وبالرّغم من طروحات الوثيقة الدّولية، عادت شريعة الغاب الى التنفّس، فارتفع معدّل القتل، والإعتداء، والسّطو، واستهتر الحكّام بالشّعب، وفازت سلوكيّة الباطل، فلم تعدْ حياة الناس نعمة، وكرامة، وأشرف الأحباب، وسقطت مقولة أنّ الدّنيا هي أحلى من الجنّة، ولم تعد القيمة لنصرة الحياة بل لمعاداة الأحياء. كما أنّ مكانة الإنسان، عندنا، ديست قدسيّتها، ففقد حماية حقيقته كمواطن، وكرّس الظّلم قاعدة لها آثارٌ بشعة، وهذا، بالذات، سلوك المدينة الفاسدة حيث تقوض دعائم القيم.

في لبنان، تحول الإنسان الى مجرد رقم مظلوم، يكتب ويمحى تبعا للحاجة إليه، وبدلا من أن يردم، بحقوقه، حفرة القبر على ظالميه، طمره حفّاروه منغصا، مقهورا، ممرغا بالهزيمة، يتطاول عليه البكاء، ويبايع الوجع، وتستعبده سكرات الموت. لم يعدْ بإمكانه أن يصم مشاعره عن أثلام في قلبه عمقتها الحال التي لم يستجرْ بأحد، ليعينه عليها، ولبّى، وما واجه إلّا سلطة طغيانيّة طالبت بإسقاط حقّه في عيش حرّ، ليسود قهرها إيّاه بلا ضوابط.

لقد فسدت قيمة الإنسان، عندنا، فما عاد في صدره قلبان، واحدٌ لنفسه، وواحدٌ ليسامح به الزّمن. فالواقع المرّ الذي عيشه، في أتونه، مرتكبو الكبائر، فاختلت النّظم، وضاعت الأصول، وتوشحت الأيّام بالخطوب، وتفسخت مناقب الحريّة، كلّ ذلك أقتم جذوة الأمل في نفسه، وطمس رجاؤه بعدوان شنيع يشبه المعول الذي يدكّ كل مدماك. أمّا الأشنع فهو أنّ شعبنا أفنى مدته في جمع الخضوع لعجز في المواجهة، وما كان منها، غالبا ما كان رثّا، ومن المخجل، أيضا، أن يتبوّأ السدّات أهل الإلتواء، وأن ينسى الناس، في موضوع النّضال، أن يصلوا ما انقطع من قديمهم المجيد، يوم رسم الحبر وجها لا يمتلك غير محطّات جهاد، وأصبح رجلا في شهادة، وملمحا من ملامح وطن حافظ على ترف الملوك في زمن المشقّات وأعاجيب الألم.

إنّ فواتح وثيقة الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، كافيةٌ لتوجيه المستطلع الى الغرض المقصود، وهو صيانة الكرامة الإنسانيّة بتعزيز جذوة الحريّة التي، وحدها، متنفس الوجود، وأمنع سدّ أمام المنكر من الظّلم، وأهواء القهر، وقرابين الرّوح الوثنيّة التي تقدم على مذبح المتسلّطين الذين يرمون شعوبهم في منفى موحش. من هنا، كانت الوثيقة قيمة أخلاقيّة تدعو الى علاقة حضاريّة تنشأ بين جماعات الناس، والى تلاقح يسهم في بناء إنسانيّة حقّة، ويعزّز مواكبة التطوّر.

إنّ غرفة العمليّات في مجتمع الغاب، عندنا، تلجأ الى سلوك الإغتيال المدمّر للحياة، باستخدام أسوأ أنواع الإبادة، وطوفان الدمّ، وجرائم القمع، وكمّ الحناجر، وتتلطّى خلف مسكّنات تستخفّ بالحقيقة، وتنأى عن الصّدق. فيا أيّها القيّمون على حقوق النّاس، أينما كانت سدّاتكم العالميّة العليا، أما آن الوقت، في وكر الشّياطين، عندنا، لصيانة إرادة الحياة بكرامة، والإنقلاب على مرافقة رفاتنا الى المقابر؟؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل