أسقَطوا لغة الحوار وينادون به

لا يمكن حلّ النزاعات كلّها بلغة السلاح والحرب. ففي نهاية المطاف حتّى أطراف الصراع سيجلسون على طاولة حوار لفضّ النّزاع بينهم حتّى لو طال أمده لقرون، وحتّى لو فاقت ضحاياه الملايين. ولنا في الحروب العالميّة والعرقيّة وغيرها بين مختلف الدّول وفي حقبات مختلفة من التاريخ أمثلة عديدة. أمّا في لبنان، بلد العجائب، فلو توصّل بعض اللبنانيّين إلى قناعة بأنّ الحلّ بالحوار باطل، فلا مناص من أن يحصل هذا الحوار، إن لم يكن اليوم فغدًا أكيد. لكن تكمن المعضلة في شروط هذا الحوار وأحوال المتحاورين.

تسود قناعة في لبنان اليوم مفادها انتظار الحلول الدوليّة، المفترض أن تأتي عبر طاولات الحوار الدوليّة إن كان من فيينا وإن كان من غيرها. وعلى أساس هذه النتائج يبني اللبنانيّون آمالهم وأحلامهم. فبحسب التجارب اللبنانيّة الحوار اللبناني لم يكن يومًا منتِجًا وإن أنتج فالأقوياء يعطّلون نتائجه لصالحهم. واتّفاق الطائف خير دليل. فما لم يطبّق منه أكثر بكثير ممّا طُبِّقَ. وهذا ما فتح المجال لبعض المزايدين والمنظّرين بالنّظام والصيغة والدّستور والقوانين بأن يستخدموا هذه المسألة ذريعة ليبنوا على أساسها نظريّاتهم الديماغوجيّة في الإصلاح، لا سيّما أنّ الموسم الانتخابي في زهوته. أو بدلاً من ذلك يسوّقون لنظرية الغالب والمغلوب باستقوائهم بسلاح حزب الله.

وفي هذا السياق أطلّ علينا الوزير السابق جبران باسيل بمؤتمر المدنيّة في حضرة الطائفيّة مطلقًا مشروعه في نسف النّظام والصيغة والدّستور بحجّة الإصلاح والتطوير. لكأنّ الإشكاليّة اللبنانيّة اليوم تكمن في شكل الصيغة والنّظام والدّستور المعطّلة كلّها بفعل ممارسته وحليفه الديمقراطيّة التعطيليّة بقوّة السلاح غير الشرعي التي ابتدعاها ونجحا بتطبيقها حتّى النهاية.

ممّا لا شكّ فيه أنّ ما طرحه باسيل هو مجرّد شعارات استعطافيّة في الزهوة الانتخابيّة لم تعد تنطلي على مَن انقشعت الغشاوة التيّاريّة عن عيونهم بعدما اكتشفوا حقيقة التضليل التي اتّبعها وتيّاره، إضافة إلى المقدرا الدنيء من الاستزلام والذميّة للمشروع الإيراني الذي يقوده حليفه حزب الله. كما أنّ الخديعة الكبرى التي نجحا بممارستها في إظهار نفسيهما، أي البرتقالي والأصفر، بأنّها ربيبا الحوار والمحبّة والسلام. وهما اللّذان انقضّا على الحوار على بكرة أبيه.

فلا يمكن بعد اليوم الانتظار من هذا الفريق أن يحاور الأفرقاء اللبنانيّين كلّهم وفق قواعد وأسس الحوار المنطقيّة لأنّه أساسًا لا يؤمن بالحوار. وهو ينتظر تطبيق غلبته بعد استغلال نتائج المفاوضات الدوليّة والحداث التي تدور في العالم بأسره، ليحقّق أجندته الأيديولوجيّة في لبنان الذي يطمح إليه جزءًا من ولاية الفقيه التي يحكمها الولي الفقيه كما ذكر أمينه العام في رسالته الثانية في العام 1985.

من هذا المنطلق، لا وصول إلى أيّ ستاتيكو جديد إلا بتغيير جذري لهذه الطغمة الحاكمة. والفرصة المتاحة اليوم هي بالانتخابات المقبلة التي لا سبيل غيرها للتغيير. ويبدو أنّ هذا الفريق بات مقتنعًا بالعمليّة الانتخابيّة لذلك بدأ حملاته الانتخابيّة وذلك عبر الشعار الذي أطلقه حزب الله، ومؤتمر باسيل الأخير. إلا أنّ هذه الشعارات لا تتماشى مع السلوك السياسي الذي ينتهجه هذا الفريق. لذلك كلّه لن يتمكّن من جذب الأصوات غير الملتزمة حزبيًّا. مقابل ذلك فهو سيخسر حتمًا الأصوات التي باتت تشكّل قوى التغيير في المجتمع المدني والحركات الثورويّة التي انبثقت من 17 تشرين وحتّى اليوم.

بناء عليه، لا لغة الحوار التي يسوّق نفسه رائدًا لها ستنفعه، ولا استنهاض الحقول المعجميّة التخوينيّة ستؤمّن له دافعًا تهجّميًّا تخوينيًّا لخصومه. فهل هذه المؤشرات تنبئ بعمل تخريبيٍّ فوضويٍّ ما قد يشكّل ستاتيكو جديد يفرضه على اللبنانيّين ليؤمّن ديمومته مرّة جديدة؟​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل