Site icon Lebanese Forces Official Website

بين سيدة النجاة وتفجير المرفأ.. الحق يعلو!!

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1726

الكنيسة و«القوات اللبنانية» قصة وطن وإيمان وحرية، هذه الثلاثية التي لا يمكن أن تتعرّض للتفكك والإنفصام إن بالنسبة للكنيسة أو بالنسبة لـ«القوات»، ولذا فهي تتخطى الحسابات أو القراءات الظرفية، لأنها في وجهها الآخر قصة صمود وتجذّر عصية على الزمان وعلى مختلف صنوف التحديات. فالكنيسة حارسة الإيمان، و«القوات» حارسة الحرية، والإيمان لا يمكن أن يتبلور وينمو ويترسخ إن لم ترفده الحرية، والحرية لا معنى لها إن لم يغذّها الإيمان ويمثل عمقها، فالسيد المسيح لم يقل «تعرفون الحق والحق يحرركم» عبثا. ولذا فإن الحق هو القاسم المشترك الذي ينسحب على كل قضية تستحق النضال من أجلها والسهر من أجلها والصلاة من أجلها.

هذه المعادلة تنبّه لها شياطين الأرض منذ اللحظة الأولى، فاعتبروا أن إستهداف الكنيسة بمن وما تمثل يشكل إستهدافا في الصميم لروح المقاومة لدى المسيحيين الأحرار ومن خلالهم سائر اللبنانيين الأحرار، تمامًا كما اعتبروا في لحظة معينة أن إستهداف «القوات» كحالة مقاومة هو إستهداف غير مباشر للكنيسة وما تمثل من قيم ومبادئ ومسلمات، باعتبار أن الكنيسة في لبنان لها خصوصية فريدة، لأنها كانت في أصل زرع بذور المقاومة، ليس لمجرد الخصومة أو اعتماد العنف أو القتال، بل دفاعًا عن الذات والإيمان والحرية والكرامة والأرض. ومعنى الأرض في لبنان شديد التعبير، لأن الأرض التي اختارها اللبنانيون موئلاً لهم أرض وعرة صعبة المراس ومعانِدة، وتقع على تماس مباشر مع أعتى الإمبراطوريات والقوى الإقليمية، ما جعلها دائمًا مثار أطماع ومدعاة رغبة للإخضاع والترويض.

وفي ضوء هذا الواقع كان القرار الشيطاني الخبيث بتفجير كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل صباح ذاك الأحد الواقع فيه 27 شباط 1994، لتشكل هذه المجزرة علامة فارقة على مدى الإستشراء لضرب روح المقاومة وإهماد جذوة الحرية ليس لدى القواتيين فحسب، بل لدى المسيحيين وسائر اللبنانيين، وليس لدى رعاة الكنيسة فحسب، بل لدى كل راعٍ أو مرجعية تسوّل لها نفسها الإعتراض على الوصاية والنظام الأمني المشترك.

لقد أرادوا من تلك الفظاعة الجريئة بل الوقحة وغير المسبوقة فك التناغم المفترض بين الكنيسة و»القوات اللبنانية»، بين الأم والإبن، ومن خلالها بين الراعي والرعية، فنجحوا في مرحلة أولى نسبيًا، إذ رموا الشك في بعض القلوب والنفوس، وانجرَّ معهم قلة من رجال الكنيسة، فيما التزم البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بداية نوعًا من الحذر الذي لم يلغِ تهيّبه للمجزرة وأبعادها، علمًا أنه لم يذهب إلى توجيه الإتهامات جزافاً، بل حمّل السلطة جانبًا من المسؤولية وبعبارات مدروسة وموجعة في آن.

على أن التطورات أثبتت شيئاً فشيئاً أن المطلوب هو رأس «القوات» ورئيسها، كونها كانت الطرف الوحيد الذي استمر في الوقوف في وجه منظومة الوصاية، ورفض محاولات الإحتواء والإبتزاز والتهويل، لا سيما وأن مسار التحقيقات وبعض وقائعها كشف هشاشة الإتهامات ونقاط ضعف أساسية فيها، ما استدعى اللجوء إلى إثارة قضية إغتيال داني شمعون وعائلته بالتوازي سعيًا لتعزيز منحى الإدانة في ملف الكنيسة.

على أن البطريرك صفير تنبّه شيئاً فشيئاً لحقيقة الخلفيات وراء مسلسل فتح الملفات، وأعطى لملف الكنيسة إهتمامًا خاصًا، جعله لاحقاً يضع «القوات» أيضًا في خانة الضحايا ولو ضمناً ثم صراحة، رافعًا صوته أكثر فأكثر دفاعًا عن الحق والحقيقة.

والنتيجة تمثلت في أكثر تجلياتها تعبيرا بالحكم الصادر عن المجلس العدلي برئاسة القاضي فيليب خيرالله والذي قضى ببراءة سمير جعجع من تفجير الكنيسة ولو جاءت البراءة مقرونة بعامل الشك، وهو ما شكل طعنة نجلاء للرهان الأساسي لسلطة الوصاية بإلصاق الجريمة بجعجع، إذ يبدو أن المجلس العدلي الذي حكم رئيس «القوات» بالإدانة في ملفات أخرى تحت ضغط النظام الأمني المشترك، لم يتحمّل وزر تحميله جريمة سيدة النجاة زورًا وبهتاناً.

وهذا الحكم أثار أيما إثارة غضب النظام السوري الذي وجد رياح القضاء تسير بما لم تشتهي سفنه، فأبلغ وكيلُه والحاكمُ العسكري في لبنان من عنجر المسؤول الأمني اللبناني المباشر عن الملف سخطه الشديد محمّلاً إياه تبعات الفشل في الإدانة، ما دفع هذا المسؤول بدوره إلى الإتصال بإذاعة لبنان الحر مهددًا ومتوّعدًا لأنها أبرزت عنوان البراءة صباح الغداة من دون إضافة عبارة للشك، وأتبع ذلك بإرسال مجموعتين عسكريتين للمرابطة عند مدخلي كل من الإذاعة وتلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال لرفع منسوب الضغط والتهويل.

مضت السنون وانطوت عهود، وترسخت القناعة العامة أكثر ببراءة «القوات اللبنانية» ورئيسها من تفجير كنيسة سيدة النجاة، لا بل إن أهالي الشهداء هم الأكثر إدراكاً لهذه الحقيقة، لتتحوّل كنيسة سيدة النجاة بدورها من كنيسة شهيدة الى شاهدة على مدى إجرام سلطة الوصاية وخسّتها في قتل مدنيين أبرياء يشاركون في الذبيحة الإلهية ليتحوّلوا بدورهم ذبيحة تكلّلت بالشهادة، وقد ضرّجت دماؤهم أرض الكنيسة والجدران والمقاعد والمذبح عندما كان الأباتي أنطوان صفير يترأس القداس فأصيب إصابات بالغة وبقيت آثار التفجير في جسده كما في روحه، وهو الذي رفض إتهام «القوات» وقال للقاضي عدنان عضوم الذي حاول استدراجه: «يمكن القوات يعملوا أي شي إلا إنو يفجروا كنيسة».

ويا لها من صدفة أن يسلّم الأباتي صفير الروح قبل أيام على الذكرى الثامنة والعشرين لتفجير الكنيسة، وهو الذي كان يمكن أن يفقد حياته وينضم إلى الشهداء لو انفجرت العبوات الأخرى المزروعة والتي حالت العناية الإلهية في حينه دون انفجارها.

«القوات اللبنانية» اليوم وبقيادة سمير جعجع ترفض قطعًا أي عودة لمنطق الحرب والعنف، وما زالت تراهن على إحقاق الحق وظهور الحقيقة في مختلف الأحداث والتفجيرات وعمليات الإغتيال، وآخرها جريمة تفجير المرفأ، لأنها ترفض أن تستمر ظاهرة التفلّت من العقاب وتعمية الحقائق ولو أن الرأي العام يعرف جانبًا كبيرا منها. ولذلك تعوّل «القوات» على أصوات اللبنانيين الأحرار في صناديق الإقتراع من أجل استعادة ما للدولة لدولة ومن أجل إنقاذ اللبنانيين من جهنم، والتي تمثل نقيض الجنة التي يفترض بلبنان أن يكونها، ومن هنا يمكن فهم المواقف المتقدمة للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي يدرك تمامًا أن جهنم ليست للبنانيين بل لمن قادوهم إليها.

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​

Exit mobile version