
لقد أَجمعَ علماءُ النّفسِ الاجتماعي على تصنيفِ الشخصيّاتِ، والسّلوكيّات، في مجتمعِ النّاس، تِبعاً للأهميّةِ، والتّأثير، سَلباً أَم إيجاباً. وكنّا نقرأُ عن أداءٍ يراعي مبادئَ العلاقاتِ المجتمعيّة، وشرائعَ الرّوابطِ الإنسانيّة، وكذلك، عن انحرافاتٍ مُنقلِبَةٍ على هذه المبادئ، ومواقفَ تُفصِحُ عن تدهورٍ دراماتيكيٍّ على مستوى السّلوكِ. فعِلمُ النّفسِ الاجتماعي لا يُغفِلُ عن شيءٍ، مهما كان صغيراً، أو عن واقعةٍ مهما كانت آثارُها هامشيّة.
عندما صامَتْ حقيقةُ التّمثيلِ الشَّعبيّ، لِمراحلَ، وكان، في مناطقَ عديدةٍ من بلادِنا، كسولاً فلم يحصدْ من بَرَكاتِ النّشاطِ المُخلِص، ما يجعلُهُ مقتدِراً على طَيِّ صفحةِ التّراخي، والتّراجُعِ، لم تكنْ تباشيرُ الصّحوةِ بعيدةً، فالمَطافُ الى عناوينِ النّهوضِ القادرِ سلَّكَتهُ طليعةٌ تائقةٌ الى التقدّمِ، والتّجاوز، والتألّقِ في الحُضور. وبينَ أقطابِ السّاعينَ الى مرحلةٍ وطنيّةٍ متخطِّيَةٍ العاديّةَ، والعجزَ عن النَّبضِ الذي يُسقِطُ الاستسلام، الدكتور أنطوان حبشي الذي كان جواباً فاصلاً على تَمنّي النّهوضِ من كَبوةِ الحالةِ الوطنيّة، الى فرحِ أحلامِ النّاس.
إنّ سلوكَ الدكتور حبشي، في الندوةِ البرلمانيّة، كان ثوريّاً، بمعنى الالتزام بمقوّماتِ العملِ النّيابيّ، خصوصاً في مواجهةِ ما كان يُزمَعُ تَمريرُه من مُشتَبَهات، في حين مالَ الكثيرون من المتواجِدين ” جَسَديّاً ” تحت قبّةِ المجلس، الى الصَّمتِ، والبَصم، فكَمَدَت، معهم، الوكالةُ التّمثيليّةُ بحسرةِ الرُّكود. وكأنّ حبشي أراد أن يشكّلَ خروجاً من مأزقِ الضَعف، ويعلنَ عن تجربةٍ انتقالية رائدة، تؤكِّدُ على أنّ النّيابةَ لم تَرقَّ عُلالةُ صَحوِها، ما يشيرُ الى نقلةٍ نوعيةٍ إلزاميّةٍ، ذاتِ أهدافٍ ترتبطُ بِقِيَمِ الانتساب الى رجاءِ الوطنِ بالخلاص، ومُجاراةِ ما يحكمُ الشّجعانَ في المواجهة.
لم يكن الدكتور حبشي، يوماً، مُربَكَاً في أدائِه، لأنه لم يكن مُلزَماً على إخفاءِ مقاصدِه، فهي ليسَت إنطوائيّةً، بل تَصدرُ عن نُضجٍ واعٍ يحاولُ أن يهزَّ الهِمَمَ لِنَفضِ حالةِ النّزاع في الوطن، ولِنُشدانِ عَقدٍ ينقلُ مفهومَ الوطنيّةِ الى الأفضل. ولمّا كانتِ الدّنيا تعملُ، في خُطَطِها على صباغةِ مصائرِ النّاس، فيكفهرُّ البعضُ بِلَونٍ قاتِم، ويختالُ البعضُ بِلَونٍ زاهٍ، وكأنّ الدّنيا من أربابِ السّوء، لم يتقبّلْ حبشي هذا التّوصيفَ الذي خضعَ له الأكثرون، بحُكمِ الظّروفِ المتردية وناءوا تحتَ ثِقَلِ ضغوطِها، فباتوا عاجزين، مشلولي الحِراك، ذلك لأنّ حبشي رأى في التّوصيفِ الكثيرَ من الظّنّ، والانكفاء، فقرَّرَ أن يُواجهَ، ويخوضَ صراعاً بين النّارِ والنّور، فلم يُنَظّمْ، فوقَ مسرحِ نفسِه، كسواه، احتفالاً للقلقِ، والفشل، والانكفاء، ولم يَسمحْ بأن تكُرَّ دموعُه من مقلةٍ مأزومةٍ، كالجَناحِ المكسور، بل عهدَ الى نفسِه دَورَ البَطَل.
لقد شقَّ الدكتور حبشي، في موقعِهِ النّيابيّ، طريقَه الى النُّجوميّةِ، في حين تابعَ غيرُهُ سَيرَه الى دنيا الجُدران، ولم يلتمِسْ مَطرحاً يَرى فيهِ ولا يُرى، وكأنّه، كغَيرِه من المَعروفين، يَسترُ معايبَه، وهي بعيدةٌ عنه كلَّ البُعد، فهو بجرأتِه، لا يخجلُ من البَوحِ بسلبيّاتٍ له، وأخطاء، إِنْ وُجِدَت، سَنَداً للصّراحةِ المَشهودةِ له، وللإخلاصِ في المصداقيّة، ولعلاقاتِهِ الشفّافةِ مع النّاس. وهو يَعلَمُ أنّ الجبانةَ تُتَرجَمُ بالانسلال الى العتمة، والانطواء، لذلك، عقدَ أَمتَنَ صداقةٍ مع تلك الصّراحة، حتى الحُلول، وانتبَهَ حتى لا يقعَ فُتاتٌ من حقيقتِها، أَيّاً تَكُنْ، فلا يُتَّهَمُ بالمواربة، وبِذا، طَفَا على سطحِ غَمرٍ نورانيّ، حيثُ الصّدقُ، وحدَه، مُطلَق.
إنّ مواقفَ الدكتور حبشي لم تكنِ انعكاسا لنظريّاتٍ فلسفيّة، بالرَّغمِ من ثقافتِهِ الواسعة، لكنّها خلاصةُ حالاتٍ، وتجارب، في مواكبِ نضالِهِ الوطنيّ، ومساهمةٌ جديّةٌ، في الندوةِ التشريعيةِ وفي خارجِها، لتنشيطِ صَدِّ المنحى الانحدارين الذي يطالُ الكيانَ، والهويةَ، والإنسان. ولطالما دعا الى التحرُّرِ من الترويجاتِ التي يُتقنُها أربابُ الكراسي الذين يزعمون أنّهم يُمسكون بإكسيرِ الحياة، والتي لا تمثّلُ إلّا انهياراً للسيادة، وتسطيحاً لمشروعِ الدولة، وتُسقِطُ من اعتبارِها تطلّعاتِ الشّعب التّائقِ الى وطنٍ حرٍّ، يكون لهم أرضَ الخلاص.
الدكتور انطوان حبشي القُوّاتيُّ صاحبُ العقلِ الطّليق، والإحساسِ الوطنيّ الحَيّ، والوجدانِ الحُرّ، غرسَت فيه الوطنيّةُ غُروسَها، فكانَ له، بشؤونِها، مواقفُ رياديّةٌ، وبلسانٍ مُبين، مُعلِناً أنّ الحسَّ الوطنيَّ هو نَعيمُ لبنان، والطّريقُ الموصلُ الى قيامةٍ في وقتٍ مُبكِر. إنّ الوطنيّةَ، معه، لَحنٌ تسبيحيٌّ يرتفعُ الى سَقفِ السّماء، بحَماسٍ بالِغٍ من جَوقاتِ القلوب، وليسَت وَهماً سورياليّاً، بليدَ الإيقاع، أو ثَوباً منسوجاً بِخيوطِ الهَلهَلَة، إنّها ينبوعٌ فيهِ مُتَّسَعٌ لكلِّ عَطِش، وصرخةٌ مُشَوِّقةٌ للعودةِ الى الأصول، كما يتذكّرُ الدّمُ العودةَ الى القلبِ، بعدَ تَنَقُّلِهِ في الشّرايينِ والأَوردة.
مع الدكتور انطوان حبشي، يكتملُ سِفرُ لبنان، وهو العِرقُ الذي يمتدُّ في خَصبِ الزّمن، والصّوتُ الذي يتمادى معه الإصغاء، والفرحُ الذي يعصى على العَتم. إنّ عشقَ حبشي الوطنَ كانصبابِ الشلّالِ من عَلُ، يُعطيكَ فوقَ ما تطلب.
